//Put this in the section

قبل المطالبة بعودة العلاقة مع الأسد… ماذا عن ”كرامة” اللبنانيين؟

محمد نمر – النهار

لم نشهد في خطاب الأمين العام لـ”حزب الله” السيد حسن نصرالله أو مقابلته التلفزيونية الأخيرة أي استماتة لعودة العلاقات اللبنانية مع النظام السوري مثلما يسمع اللبنانيون والعرب من وزير الخارجية جبران باسيل الذي لا يفوّت فرصة إلا ويعكر فيها الأجواء بالمطالبة بعودة العلاقات.

قد يحلل البعض أن في الأمر تبادل أدوار أو أهدافاً مختلفة لدى باسيل مقارنة بمصالح “حزب الله”. وفي كلتا الحالتين يسجل مرجع سياسي تسرعاً في المواقف الداعية إلى العودة ويسأل: “عودة من وإلى أين؟”. ويعود السؤال إلى سببين: الأول أن هناك من لم يطّلع على حقيقة مستقبل سوريا ولم يقرأ ما بين سطور موقف وزير الخارجية المصري سامح شكري الذي ربط العودة بالتزام النظام السوري بالقرار 2254، وهناك من لم يسمع بمضمون مسودة الدستور السوري ولم يسأل حتى عن أسباب الفرملة العربية والدولية في العودة إلى دمشق. أما السبب الثاني فهو أن هناك من يقاتل للعودة إلى سوريا من دون المطالبة بسيادة لبنان وحقوقه أو حتى مراعاة عواطف اللبنانيين وحقهم في محاسبة المجرمين.

بالعودة إلى القرار 2254، الذي تحدث عنه وزير الخارجية المصري، فهو يتضمن بشكل لا لبس فيه دعماً لبيان “جنيف – 1″، ولا يختلف أيضاً عن مضمون المسودة الروسية، وللطريقين نهاية واحدة هي انتخابات نزيهة يحدد فيها الشعب السوري مستقبل بلاده. سبق وأكد الرئيس سعد الحريري في خطابات عدة أن لبنان سيتواصل ويبني العلاقات مع من يختاره الشعب السوري.

رغم ذلك، يبقى السؤال: لماذا يستعجل باسيل العلاقات مع سوريا؟ فرغم القرار العربي بعزل بشار الأسد لم يخرج لبنان من دمشق ولا تزال سفارته موجودة هناك، وأيضاً للنظام السوري سفارته في بيروت، فما الذي تغيّر بما أن لبنان سبق العرب في وجود سفارته بدمشق؟ نسمع من كثيرين أن مواقف باسيل تعود إلى حاجته لدخول مرحلة إعادة إعمار سوريا وهو أيضاً قالها في أحد المؤتمرات أن لدى لبنان الكفاءة لهذه المهمة. لكن السؤال الحقيقي: من سيموّل إعادة الإعمار؟ هل النظام السوري سيموّله فنكون بحاجة إلى تقديم “الولاء والطاعة” له، أم الدول العربية وعلى رأسها الدول الخليجية التي ستشارك في كلفة إعادة الإعمار وستضع شروطها لذلك؟ أم أن الفائض في خزينة لبنان يسمح لنا بالمساهمة بالإعمار؟ في وقت يحتاج لبنان إلى إعادة إعمار ودعم الاقتصاد وعودة السياحة وانعاش مؤسساته الخاصة والعامة، وكهرباء وماء، والانتهاء من أزمة النفايات وتحسين طرق وتخفيف زحمة سير وتطوير مستشفيات ومكافحة فساد، والأهم إبعاد المستهينين بسيادة لبنان عن السلطة.

مهما تكن النتائج في الإقليم وتحديداً في سوريا، وسواء اتخذ القرار بالعودة إلى الجامعة العربية أو لم يتخذ، لا بد من أن يطلّ لبنان بخصوصيته المتعلقة بالسيادة، وإلا سقط في عيون العالم.

أولاً: من المستغرب أن يصدر عن وزراء في الدولة دعوات للتواصل مع النظام السوري في وقت أصدر فيه الأخير لائحة تضع رئيس حكومة لبنان سعد الحريري على لائحة ممولي الإرهاب، ومعه رئيس “التقدمي الاشتراكي” وليد جنبلاط ورئيس “القوات” سمير جعجع، والأكثر استغراباً هو صمت المعنيين بسياسة لبنان الخارجية عن هكذا قرار، وردهم عليه بتلميع صورة النظام السوري في المحافل الدولية والعربية.

ثانياً: عندما اختطفت “داعش” الطيار الأردني معاذ الكساسبة وأحرقته، جاء الرد بسرب من الطائرات يقودها شخصياً ملك الأردن للرد على “داعش”.

وعندما اتهم وزير الإعلام الفنزويلي رئيس الإكوادور لينين مورينو بـ”الكذب” قررت الإكوادور طرد السفير الفنزويلي لديها، كارول دلغادو آريا.

وبسبب خلاف على عاملات المنازل طردت الكويت سفير الفيليبين، ما استدعى من الأخير الاعتذار. وبسبب تدخل كندا بشؤون السعودية وحديثها عن مغالطات تتعلق بنشطاء المجتمع المدني أيضاً اتخذت السعودية موقفاً وطردت السفير حينها. وكثيرة هي المواقف المشابهة لدول لديها سيادة وقرار، ما يستدعي السؤال: ماذا فعلت الدولة اللبنانية مع النظام السوري الذي اتضح، وعبر القضاء، ارتباطه بتفجيري التقوى والسلام في طرابلس وسقوط 50 ضحية جراء أفعاله الجرمية. ماذا فعلت الدولة اللبنانية مع نظام اتضح عبر القضاء ارتباطه بالموقوف ميشال سماحة، ناقل المتفجرات إلى لبنان، وارتباط اللواء علي المملوك بالموضوع وصدور مذكرة توقيف في حقه. ماذا فعل لبنان، وكيف تعاطى مع السفير السوري؟ إن أي علاقات مستقبلية تستدعي من بلد سيد ومستقل كلبنان اتخاذ الموقف المناسب لمحاسبة المسؤولين عن هذه الجرائم وليس مصافحتهم.

ثالثاً: ترسيم الحدود بين البلدين. وهي قضية تاريخية لم تعرف حتى اليوم نتيجة، ويستفيد منها “حزب الله” ليكون في منطقة متنازع عليها. وبعد ترسيم حدود البلدين فكل بلد يتحمل مسؤولية ما يجري على أرضه.

رابعاً: أزمة اللاجئين السوريين في لبنان التي تأخذ مساحة كبيرة من الوزير باسيل، واليوم على رأس وزارة الدولة لشؤون النازحين شخصية مقربة من النظام، لكن السؤال المنطقي، هل يحتاج السوري إلى وسيط ليعود إلى بلده؟ وهل يريد نظام عودة شعبه فيختار 50 اسماً من لائحة من ألف اسم؟ لو كان النظام يريد عودة هؤلاء لكان بادر إلى التواصل مع لبنان عبر قنواته، أو فتح الحدود ودعا شعبه إلى العودة، وبالتالي أي علاقة مستقبلية تقتضي حل هذا الملف بما يرضي الشعوب صاحبة الأرض وليس الأنظمة.

خامساً: حلّ المجلس الأعلى اللبناني – السوري، فمنذ أن خرج جيش النظام من لبنان في نيسان 2005، وبعد جهد 3 سنوات افتتحت السفارتان عام 2008، وبالتالي لا حاجة لمجلس أعلى أو أصغر، فضلاً عن الحاجة إلى صياغة اتفاقية تعاون وأخوة وتنسيق جديدة عبر القنوات الديبلوماسية بين البلدين.

سادساً: قضية الإمام المغيّب موسى الصدر ليست أكثر شأناً من مصير المفقودين في السجون السورية، وبالتالي من الواجب أن يتعاون هذا النظام لكشف مصيرهم، وتحديد الملابسات وتسليم المسؤولين.

فأهلاً وسهلاً بعلاقات مبنية على معالجة هذه النقاط، وإلا فلنسأل: هل لبنان دولة وللبنانيين كرامة… أم لا؟