//Put this in the section

زيارة البابا – حسين شبكشي – الشرق الأوسط

مرت منذ شهور ذكرى الاحتفال باليوبيل المئوي الثامن لزيارة القديس فرنسيس الأسيزي إلى مصر، ولقائه منذ أكثر من ثمانمائة عام السلطان الملك الكامل محمد الأيوبي، الذي كان يحكم مصر في ذروة الحروب الصليبية، التي حصلت باعتداءات جيوش الفرنجة على الأراضي الإسلامية، ونتج عن اللقاء بينهما إطلاق معاهدة سلام وإعلان التعايش المشترك وضرورة الحوار بين الأديان. ومنذ ذلك الحين، أصدر السلطان الملك الكامل مرسومه الذي يسمح بموجبه بحرية دخول القديس فرنسيس مؤسسة الرهبنة الفرنسيسكانية وأتباعه إلى الأراضي المقدسة والشرق الأوسط، حيث يعتبر هذا الحدث بداية الوجود الكاثوليكي في الأراضي العربية. هذا القديس نفسه، هو الذي اختار اسمه البابا فرنسيس، بابا روما والكنيسة الكاثوليكية، عندما تم اختياره للمنصب الأكبر في الكنيسة، وطلب منه أن يختار اسماً دينياً لنفسه.

البابا فرنسيس يقوم بزيارة تاريخية هي الأولى من نوعها إلى الجزيرة العربية، حيث يلتقي قادة دولة الإمارات العربية المتحدة، ويشارك في مؤتمر مهم عن التعايش والتسامح الديني. وضع الكنيسة في زيارة فرنسيس الأول كان أقوى، فلقد كانت تحكم وتسيطر على دول أوروبا وتصنع القرار السياسي فيها، أما اليوم فقد اختلف الوضع، فتأثير الكنيسة في أوروبا ضعيف، باستثناء أثر رومانسي وعاطفي في إيطاليا وإسبانيا وفرنسا، إذ إن ثقلها الحقيقي في خارج أوروبا، وتحديداً في كل من البرازيل والفلبين والمكسيك، ولكن التحدي يبقى في الحفاظ على مسيحيي المشرق في مناطقهم بعد أن قلص من وجودهم التشدد والتطرف وأجبرهم على الهجرة، كما حصل قبل ذلك مع اليهود من أبناء العالم العربي الذي كانوا يعيشون فيه.

لا يمكن أن تدعي الأديان أنها قابلة للتعايش والتسامح دون إثبات ذلك فعلياً، لأن التنظير لا يوجد ما هو أسهل منه. مطلوب الاستغناء والتخلي عن كل الآراء التي تناقض السنة النبوية الفعلية، فالرسول تزوج من مسيحية وكذلك من يهودية، وحاور النصارى في مسجده وأوصى بأقباط مصر خيراً، وكان على وصال مع كثير من الرموز المسيحية مثل المقوقس في مصر والنجاشي في الحبشة وغيرهما. لا سبيل سوى التعايش بين أتباع الأديان والتسامح بين بعضهم، لأنه لا مجال للغة الإقصاء والإلغاء، فهي لم تنجح من قبل وبالتالي لن تنجح الآن، والتنوع سنة إلهية في الكون وجدت لتبقى بقبول هذا المبدأ ورسوخ قيمته. وأولى خطوات التعايش قد وصلت إلى اليهود والمسيحيين والمسلمين في مكانهم الطبيعي في هذه البقعة من العالم، لأن الشرق الأوسط جغرافياً وتاريخياً هو مهد الحضارات ومهبط وحي الرسالات، ما يولد مسؤولية عظيمة على ساكني المنطقة من الالتزام بتعايش محترم يليق بالرسالات السماوية التي يمثلونها.

المنطقة العربية تحولت إلى منطقة مصدرة للتطرف والتشدد، وسلسلة الأحداث المتتالية بمختلف أنواعها تؤكد ذلك ولا يمكن إنكارها، ولفترة طويلة جداً سمحت لأصوات متشنجة أن تخطف الخطاب الديني، وقد آن الأوان لتصحيح الخطأ.