//Put this in the section

«ثورة» جنبلاط على الحريري

تتسّع دائرة الخلاف بين النائب السابق وليد جنبلاط والرئيس سعد الحريري، حتى بات رئيس الحزب الاشتراكي مقتنعاً بأن رئيس الحكومة يفرّط بالطائف من خلال تحالفه مع الرئيس ميشال عون. الحكومة الجديدة والتوازنات الدرزية والتحوّلات الإقليمية، كلّها، تدفع جنبلاط إلى «إدارة» استنفار العصبية في قرى الجبل، مع شعوره بحملة ممنهجة لاستهدافه

من سمع صرخة النائب السابق وليد جنبلاط قبل أيام من الانتخابات النيابية، «شو صاير فيك يا سعد الحريري؟»، يدرك أن التحالف القديم بين الرجلين، مهما رقّعته الظروف وحاولت القوى الخارجية لملمته، مصيره الافتراق.




فعلاقة التكامل التي أوجدها اتفاق الطائف بين الحريرية السياسية وزعامة المختارة، تسقط على دفعات مع التآكل الذي يصيب الطائف نفسه، منذ الخروج السوري من لبنان ثم مع وصول الرئيس ميشال عون إلى سدّة الرئاسة، وصولاً إلى الحكومة الحالية.

الثّقة باتت شبه منعدمة بين الطرفين، إلى الحدّ الذي بات فيه جنبلاط معزولاً نحو تحالف وحيد مع حزب القوّات اللبنانية وعلاقة تاريخية مع الرئيس نبيه بريّ، فيما الحريري مطوّق بمستقبله السياسي بالتحالف المصلحي مع الرئيس ميشال عون والوزير جبران باسيل.

ومع كلّ الجهد الذي بذله المصريون لاقناع الحريري وجنبلاط بعدم «كسر الجرّة» بينهما، وحضور السفير المصري نزيه النجاري العشاء الأخير الذي جمعهما عشية تشكيل الحكومة، لم يُفلح في منع الخلاف من الوصول إلى ما وصل إليه أمس، والاتهامات والمتبادلة بين الطرفين بالتنازل لعون وباسيل.

جنبلاط بقّ البحصة، رافعاً سقف الانتقاد للحريري بعد اجتماع كتلة اللقاء الديموقراطي، متّهماً إياه بالتنازل عن صلاحياته وعن اتفاق الطائف، لصالح دور باسيل عون، مذكراً بأن «كل مجلس وزراء، كان يضع على الطاولة اتفاق الطائف، اتفاق الطائف، لم يوضع هذه المرة، وهذا لعب بالنار، ويؤدي إلى خلل كبير في البلد، ولسنا مستعدين أن نقبل بهذا الخلل».

زعيم الاشتراكي حدّد أسباب غضبه أكثر، مع إشارته إلى وزير الدولة لشؤون النازحين صالح الغريب، قائلاً إن «لونه سوري»… لكنّه فتح باباً كبيراً للاشتباك مع الحريري نفسه في ملفّ النازحين، مع قوله «سنقوم بمعركة، لأننا لن نتخلى عن حماية اللاجئين السوريين في لبنان، ولن ننجر إلى رغبة الفريق السوري في الوزارة بإرسالهم بأي ثمن إلى المحرقة والسجون، وإلى التعذيب في سوريا». فالحريري، وإن كان لا يزال يتمسّك بمواقفه التقليدية العلنية اتجاه سوريا، إلّا أنه يعتمد على مجموعة من الوزراء من قوى سياسية قريبة من سوريا، وكان يعوّل على عون، لاستعادة شعرة معاوية مع الرئيس بشار الأسد. وفي ملفّ النازحين تحديداً، بات موقفه أقرب إلى موقف عون، أو على الأقل، استطاع عون فرض رؤيته عليه، وهو ما سيبدو واضحاً في البيان الوزاري في ما يتعلّق بهذا الملفّ، على الرغم من مواقفه العلنية المؤاتية للرؤية الغربية في مسألة النازحين.

ليس هذا فحسب، فالاتفاق الضمني الذي كان لا يزال سارياً بين جنبلاط والحريري على عدم المسّ بالضابط وائل ملاعب المتّهم من قبل قوى الأمن بالفساد، كسره المدير العام لقوى الأمن الداخلي عماد عثمان في اللحظة التي بدا فيها التوتّر قائماً بين الحريري وجنبلاط، ومنح القضاء حقّ ملاحقة الأخير، ما دفع جنبلاط إلى الاعتقاد بأن الحركة جزء من حملة تشنّ عليه، مطالباً عثمان بكشف كل الفساد في المديرية، وأن «يضبط المصالح الكبرى والتهريبات الكبرى والفضائح الكبرى، في مطار بيروت، حيث هناك توازنات إقليمية ربما، وأتمنى ألا يكون موضوع ملاعب، هو تصفية حسابات، وإذا ثبت عليه أي شيء فهناك قانون».

ولم ينسَ جنبلاط في كلامه أمس، التوجّه لحزب الله من دون أن يسمّيه، بالإشارة إلى الانتقادات اللاذعة التي يوجّهها الوزير السابق وئام وهّاب لمدعي عام التمييز سمير حمود وعثمان على خلفية إشكال الجاهلية، وذكّر أيضاً بقضية الشويفات، مطالباً بتسليم أمين السوقي المسؤول في الحزب الديموقراطي، في ما يبدو هجوماً مضاداً على حيوية التحالف الذي قام مؤخّراً بين النائب طلال أرسلان ووهاب، واللقاء الذي حصل أمس في خلدة لتبقّي التهاني بتوزير الغريب، وحضره شيخ عقل طائفة الموحدين الدروز ناصر الدين الغريب، الذي يعتبره جنبلاط كسراً لاحتكاره المؤسسة الدينية الدرزية الممثّلة بشيخ العقل نعيم حسن.

وتناول جنبلاط أيضاً مسألة طلب الحريري منه التنازل عن وزارة الصناعة لبري كرمى لبقاء وزارة البيئة في عهدة التيار الوطني الحر، بعد أن نفى أكثر من مسؤول الاشتراكي الأمر الأسبوع الماضي. وهذا الأمر، دفع جنبلاط إلى توجيه أكثر من رسالة إلى الحريري بسقف مرتفع من الانتقاد، ثم مع الوزير غطّاس خوري.

ردّ الحريري، لم يكن أقلّ حدّة، وبدا لافتاً أن ردّه حمل توقيع رئاسة مجلس الوزراء، حين اعتبر أن «رئاسة مجلس الوزراء لا تجد في الكلام الذي يحاول النيل من دورها ومكانتها وأدائها في معالجة الأزمة الحكومية، سوى محاولة غير بريئة للاصطياد في المياه العكرة»، مضيفاً أنها «محاولة للتعويض عن المشكلات التي يعانيها أصحاب هذا الكلام والتنازلات التي كانوا أول المتبرعين في تقديمها». وهنا يعود الحريري في ردّه إلى التنازل الذي قدّمه جنبلاط حين تراجع عن موقفه المطالب باحتكار الوزراء الدروز في الحكومة وقِبَل بتسمية عون للغريب، برعاية النائب جميل السيد، الأمر الذي سبب أيضاً امتعاضاً لدى بري. فيما يقول الاشتراكيون إن تنازل جنبلاط جاء بعد معلومات عن أن الحريري كان قد عقد اتفاقاً مع عون للسير بالحكومة من دون حزب القوات اللبنانية وعزل جنبلاط، في مقابل الاتفاق على التعيينات الشاغرة واتفاقات مالية أخرى.

ودافع الحريري في بيانه عن دوره في حماية الطائف، معتبراً أن «رئاسة مجلس الوزراء، المؤتمنة على الطائف وعلى الصلاحيات التي أوكلها اليها الدستور، لن تكون مكسر عصا أو فشة خلق لأحد، وهي لا تحتاج إلى دروس بالأصول والموجبات الدستورية من أي شخص، ولن يكون من المجدي لأي كان تزوير الوقائع، لا سيما ما يتعلق باعداد البيان الوزاري، والايحاءات التي تحاول تعكير المسار الحكومي بدعوى العمل على تصحيح الأوضاع».

وفوق توتّر جنبلاط لناحية علاقته بالحريري وشعوره باستكمال عون عدّة الهجوم عليه، جاءت حادثة الاعتداء على «قناة الجديد» ورمي قنبلة عليها، على خلفية عرضها «سكتش» اعتبرته شريحة كبيرة من مشايخ طائفة الموحدّين الدروز مستفزّاً بسبب تقليد شخصيّة رجل دين بطريقة ساخرة. إلّا أن التوتر في الشارع الدرزي، ليس جديداً، وجاء «الاسكتش» ليظهّر شعور القلق الذي يسود في بعض دوائر الاشتراكي والمشايخ، والتي تدفع الاشتراكي إلى رعاية بعض مظاهر التسلّح في القرى، أوّلاً لشدّ العصب وثانياً لسحب البساط من تحت أقدام بعض المتشدّدين في الطائفة، في ظلّ شعور عام بعدائية يتعامل بها العهد مع جنبلاط وشارعه.

الأخبار