//Put this in the section

فاينانشيل تايمز: بعد تشكيل الحكومة.. هل يتحمل اقتصاد لبنان الهش المنافسة الخليجية؟

أعلن لبنان، الخميس 31 يناير/كانون الثاني 2019، عن تشكيل حكومة وحدة وطنية جديدة، لينهي شهوراً من الخلافات، وتعهَّد رئيس الوزراء سعد الحريري بإصلاحات جريئة تحتاجها البلاد لمعالجة المشكلات الاقتصادية، وسط تحديات جديدة فرضت عليها نتيجة التنافس الخليجي على بلد مثقل بالديون.

وتنامت المخاوف بشأن الحالة الاقتصادية والمالية للبلاد. وحذَّر وزير المالية علي حسن خليل، الذي احتفظ بمنصبه في الحكومة الجديدة، الشهر الماضي، من أن لبنان يمر بأزمة اقتصادية، وهناك خشية من أن تتحول إلى أزمة مالية.

وتضم حكومة الحريري، المدعوم من الغرب، معظم الفصائل اللبنانية المتنافسة، من بينها جماعة حزب الله، التي تمتلك ترسانة كبيرة من الأسلحة، والمدعومة من إيران.

الأزمة هذه المرة مختلفة بسبب التنافس الخليجي على البلد المثقل بالديون

واعتاد لبنان على الأزمات، والاقتراب في كل مرة من شفا الهاوية المالية، لكنَّ أزمته الحالية معقدة، بسبب تعارُض التنافس الخليجي، بحسب تقرير صحيفة The Financial Times البريطانية.

إذ أظهرت قطر دعمَها بالدولار، فدفعت 500 مليون دولار في شراء سندات في اللحظة الأخيرة، إلى جانب حضور الشيخ تميم بن حمد آل ثاني في القمة العربية في بيروت، التي لم يحضرها أي زعيم خليجي آخر. ولما كانت السعودية غير راغبة في تفوق قطر عليها، فقد تعهد وزير ماليتها، شفهياً، بدعم لبنان على هامش المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس.

ويزداد استخدام دول الخليج للدعم المالي المباشر لتوسيع نفوذها في الشرق الأوسط والقرن الإفريقي وباكستان.

وفي تقرير لها أشارت صحيفة Wall Street Journal الأمريكية إلى أن الاستثمار القطري في لبنان دفع الدوحة بصورة أكبر للانخراط في المشهد السياسي المُنقسم المُعقد في بيروت، حيث يصارع الوكلاء السعوديون حزب الله، القوة العسكرية والسياسية المدعومة من إيران.

دور أكثر تأثيراً لقطر

الصحيفة الأمريكية تشير في تقريرها إلى أن الاستثمارات القطرية في لبنان قد تسمح للدوحة بأداء دور أكثر تأثيراً في لبنان، في الوقت الذي تدهورت فيه تحالفات كلا البلدين في العالم العربي.

وطالما كانت السعودية تُمثّل دور الراعي العربي الخليجي التقليدي للبنان، لكن في عام 2016، علّقت الرياض حزمة مساعدات بقيمة 3 مليارات دولار، احتجاجاً على صعود حزب الله.

وتوتّرت العلاقة مرة أخرى عندما استقال رئيس الوزراء اللبناني سعد الحريري أواخر عام 2017، عندما سافر في رحلة إلى الرياض، ما أثار اتهامات في لبنان بأنَّ السعوديين قد خطفوه.

ومن شأن التنافس بين السعودية والإمارات من جانب واحد، وقطر من الجانب الآخر، أن يجلب عدم الاستقرار إلى السياسة والأمور المالية الهشة بالفعل في لبنان، بحسب  The Financial Times.

فلَطالما كانت السعودية مصدراً للدعم الخارجي للبنان، في صورة مساعدات وقروض مباشرة، ومن خلال دفع الحوالات المالية، والاستثمارات في قطاع البناء والعقارات، وحتى وقت قريب، كان ثمة تدفق مستمر من الزوار السعوديين المحملين بالنقود في عطلات الصيف.

تأثر تدفق المال من الخارج إلى لبنان بسبب الأوضاع السورية

إذ يجلب الزوار الخليجيون، جنباً إلى جنب مع مجتمع أعمال لبناني نابض بالحياة، ودائع من العملات الأجنبية إلى البنوك المحلية. لكن منذ عام 2011، أصبحت خسارة التجارة عبر سوريا ومعها عائقاً أساسياً للنمو الاقتصادي، والاستثمار الأجنبي والسياحة. أما التوترات مع السعودية، الشريك التقليدي للبنان، فهي معروفة جيداً.

وقد أدى هذا الأمر إلى زيادة الضغط على نظام يعتمد على ما يصفه البنك المركزي اللبناني، مصرف لبنان، بأنه «هندسة مالية» للحفاظ على تدفق الدولارات إلى خزائن الحكومة. وهذا أمرٌ ضروري للحفاظ على احتياطات ضخمة من العملات الأجنبية، تُعادل ما يقترب من 100% من الناتج المحلي الإجمالي، الذي يدعم العملة، ذلك أنَّ الليرة اللبنانية قد ثبتت قيمتها عند ما يزيد بقليل عن 1500 ليرة مقابل الدولار، منذ أواخر التسعينات. وهذا بدوره يدعم استقرار النظام المصرفي.

وكان مصرف لبنان قادراً على الاعتماد على البنوك التجارية المحلية، بوصفها مصدراً لرأس المال، من خلال تقديم أسعار جذابة على شهادات الإيداع بالدولار، كما أنها تبيع سندات اليورو السيادية اللبنانية للبنوك المحلية، فتوفّر مصدراً إضافياً لتمويل الحكومة.

في الواقع، تعلمت لبنان، من خلال التفاعل بين مصرف لبنان والبنوك التجارية المقامرة بالنظام. فالقطاع المصرفي، الكبير بشكل غير متناسب مع بلد بحجم لبنان، عادة ما يشبه نادياً للقمار (كازينو) أكثر مما يشبه مديراً حصيفاً للثروة العامة. فتعمل البنوك الخاصة، مجتمعة، بوصفها ملاذاً أخيراً للإقراض، في الوقت الذي تجني فيه أيضاً عوائد جيدة على الودائع والسندات عالية الفائدة، وكلها تصبح أكثر جاذبية بسبب أمن ربط العملة بالدولار.

أساس هش للنمط اللبناني

ويدعم هذا النظام جزئياً مجتمع أعمال يمتد حول العالم في الشتات اللبناني، ويوفر تدفقاً حيوياً من التحويلات المالية. ومع ذلك، فهذا أساس هش للنمط اللبناني من العجز المزدوج والدين الخارجي المتصاعد. فمنذ عام 2000 كان عجز الحساب الجاري أكثر من 10% من الناتج المحلي الإجمالي في 16 عاماً من أصل 19 عاماً، والعجز المالي أكثر من 6% في 18 عاماً من أصل 19 عاماً، بينما كان معدل الدين الحكومي العام إلى الناتج المحلي ثابتاً بأكثر من 130%. وتؤكد الشائعات الأخيرة عن وجود خطط لإعادة هيكلة الدين العام مدى الهشاشة التي صار إليها هذا الوضع.

وإذا انخفضت الودائع بالعملات الأجنبية، وأصبحت البنوك غير قادرة على شراء السندات الحكومية، فسوف نشهد تهديداً حقيقياً للسياسة النقدية للبنان وسيولتها؛ عملة مزدوجة وأزمة مصرفية.

وترى الصحيفة البريطانية أن أمام قطر لإنقاذ الوضع في لبنان شراء أو تمويل بضعة بنوك لبنانية. ومع ذلك، فحتى ضخ كميات أكبر بكثير من رأس المال من السعودية أو الكويت، أو أقل احتمالاً من الإمارات، لن يحل جميع مشكلات لبنان.

وترى الصحيفة أنَّ موطن الضعف الحقيقي للبنان لم يكن في الافتقار للوصول إلى رأس المال، وإنما تعطل عملية صنع القرار والتشارك في السلطة. في الوقت الراهن يحاول البنك المركزي القيامَ بالمهمة التي ينبغي للحكومة القيام بها؛ أي تزويد الأسواق ببعض الثقة في استقرار صنع السياسات.

بإمكان لبنان انتظار الشيك كما حصل مع البحرين

وبالفعل، فبخلاف الدول الأخرى في المنطقة التي تعتمد على سخاء الخليج للتخطيط المالي، بإمكان لبنان أن ينتظر الشيك، كما فعلت البحرين في معظم عام 2018، حتى أوشكت على استنفاد احتياطاتها. ومادام التبادل بين مصرف لبنان والبنوك الخاصة مستمراً، فسوف يكون الاستقرار المالي للبنان سليماً، لكن عند نقطة ما فسوف تحدث أزمة في المصداقية.

هذه حوافز قوية تحث الحكومة على التصرف، فثمة حزمة قروض بقيمة 11 مليار دولار من مؤتمر سيدر (CEDRE)، الذي عُقد في أبريل/نيسان 2018، في انتظار صرفها، بعد تشكيل حكومة ائتلافية تحت رئاسة رئيس الوزراء سعد الحريري.

وتعد السعودية أكبر مقرض حكومي في هذه المجموعة، التي تشمل البنك الدولي، والبنك الأوروبي لإعادة البناء والتنمية (EBRD)، والبنك الإسلامي للتنمية، وتسع دول أخرى، بالإضافة إلى الاتحاد الأوروبي. وهناك قطر أيضاً، بقرضها البالغ 500 مليون دولار، أما الإمارات فليست من بين هذه الدول.

وسوف يؤدي تخفيض التصنيف الائتماني الأخير للبنان إلى CAA1 (أقل من الدرجة الاستثمارية) إلى زيادة ضغوطها المالية، مما يزيد من تكاليف الاقتراض. ولسنوات عديدة، استمر لبنان بفضل ذكائه، أو بالأحرى ذكاء بنكه المركزي، لكنَّ البنك المركزي ليس حكومة، وهذه لعبة ثقة.