//Put this in the section

فيصل كرامي زعيم الخاسرين من الحكومة الجديدة ومتلازمة الحريرية

صلاح تقي الدين – العرب

مع صدور مراسم تشكيل حكومة الرئيس سعد الحريري، مساء الخميس الماضي، وتسمية حسن مراد وزيرًا عن “اللقاء التشاوري”، محسوبًا على فريق رئيس الجمهورية، تكون رغبة “حزب الله” قد تحققت. فهل سيستمر اللقاء التشاوري في الوجود؟ وهل سيجد رأس حربته فيصل عمر كرامي منبرًا جديدًا يطل من خلاله؟ سؤالان بدأ اللبنانيون تداولهما حول مستقبل “اللقاء” ومستقبل الوريث السياسي السنّي الخاسر من تسويات الحكومة العتيدة.

إرث ضائع في الشمال

كرامي لم يستطع الخروج من جلباب عمه الرئيس رشيد كرامي، ولاحقًا من جلباب والده الرئيس الراحل عمر كرامي؛ فتراه يعيش هاجس رئيس حزب “القوات اللبنانية” سمير جعجع. أما هاجسه الأكبر فهو الهلع من شبح الرئيس الراحل رفيق الحريري.

ورغم أنه تمكن من أن يخرق في الانتخابات النيابية الأخيرة لائحة تحالفات قوية تشكّلت في دائرة الشمال الثانية “طرابلس – المنية – الضنية”، والفوز بالمقعد النيابي عن طرابلس من خلال تحالفه مع الوزير السابق سليمان فرنجية، إلا أن نسبة الأصوات التي حصل عليها في المدينة التي لطالما اعتبرت معقلا قويّا لآل كرامي، لا تشي بأنه استطاع المحافظة على الإرث الكبير الذي ورثه عن جده، ومن بعده عمه ووالده، فالهجمة الحريرية على عاصمة لبنان الثانية لا تزال تفعل فعلها ولا يزال الحريري يشكل الرقم الصعب في المدينة التي تحوّلت إلى خزان شعبي لتيار “المستقبل”.

ومع تكليف الرئيس سعد الحريري بتشكيل الحكومة العتيدة عقب الانتخابات النيابية، وجد كرامي نفسه فجأة ضمن كتلة جمّعها حزب الله من نواب ينتمون إلى المذهب السني فازوا بمقاعدهم النيابية من خارج عباءة “تيار المستقبل” ورئيسه الذي يمثل أكثر من 80 بالمئة من النواب السنة في المجلس النيابي، فراح ينفّس عما في داخله من معارضة للحريري ويصعّد في وجهه مطالبًا بأحقية التمثيل الوزاري في الحكومة العتيدة، ويمنّي النفس بأن يتمثل شخصيًّا في هذه الحكومة.

لكن كرامي اصطدم بمعارضة ضمنية من الرئيس ميشال عون وصهره وزير الخارجية جبران باسيل على اعتبار أن الثقة به مفقودة لأنه يميل إلى فرنجية، العقبة الحقيقية في وجه طموح باسيل في الوصول إلى رئاسة الجمهورية، كما اصطدم داخل اللقاء التشاوري نفسه بطموحات عبدالرحيم مراد الذي يرغب في نقل إرثه السياسي إلى نجله حسن بدءًا من ترشيحه للفوز بمنصب وزاري.

بين هيمنتين

دخل كرامي المولود عام 1971 العمل السياسي من بوابة الحكومة حيث شغل منصب وزير الشباب والرياضة في حكومة الرئيس نجيب ميقاتي عام 2005. أتم دراسته الثانوية في معهد الآباء الكرمليين في طرابلس وتخصص في إدارة الأعمال في جامعة وايدنر في بنسلفانيا في الولايات المتحدة الأميركية. وانتخب نائبًا عام 2018 بعدما شكّل لائحة بالتحالف مع “تيار المردة” و”جمعية المشاريع الخيرية الإسلامية” وبعض المستقلين، وهي اللائحة التي سماها “لائحة الكرامة الوطنية”.

في أكتوبر الماضي انتشر فيديو عبر مواقع التواصل الاجتماعي يظهر فيه كرامي وهو يرقص برفقة شابة داخل ملهى ليلي، ورغم الضجة التي أثارها الشريط فإن المفارقة تمثلت في أن المتداولين له فاتتهم الإشارة إلى أن كرامي وزوجته لما دياب تطلّقا عام 2016 دون أي ضجة وبهدوء بعيدًا عن الإعلام.

بسبب تلك الحادثة وغيرها، شعر كرامي خلال الانتخابات الأخيرة بأن ثمة مؤامرة تستهدفه من خلال محاولات تصنيفه رمزاً لقوى 8 آذار في طرابلس، وقد أعلن أكثر من مرة قائلاً “لست في قوى 8 آذار، ولا أخوض الانتخابات باسمها”، لكن المفارقة أنه إذا كان جاداً في هذا الزعم، فكيف يصف تموضع اللقاء التشاوري الذي جمعه حزب الله ليضم النواب السنة الذين يسيرون “في خط المقاومة والممانعة” ومواجهة من يسميه اللبنانيون “بَيْ السنة”؟

يزعم كرامي، في أحدث تصريح له بعد صدور مراسم تشكيل الحكومة الجديدة، أن اللقاء التشاوري نجح في كسر الهيمنة السنية لتيار “المستقبل“، وذلك من خلال تمثيل حسن مراد في الحكومة، وهو يقول ذلك بمرارة واضحة، إذ أنه كان يمني النفس بدخول الحكومة بنفسه، أو في أسوأ الأحوال من خلال مستشاره الإعلامي عثمان المجذوب، لكن رياح باسيل لم تسر كما يشتهي كرامي. وكانت وسائل الإعلام ضجت عشية تشكيل الحكومة بشائعات حول خلافات جذرية نشبت بين أعضاء اللقاء التشاوري سببها اتهام أعضاء اللقاء “زميلهم” عبدالرحيم مراد بعقد “صفقة” مع باسيل بغية القبول بتسمية نجله حسن للحكومة.

الغيور على رئاسة الحكومة

كرامي خلال مرحلة المشاورات الحكومية استغرب ​”كيف أن وزير الخارجية في حكومة تصريف الأعمال باسيل​ يعرض خمس أفكار للدفع باتجاه ​تشكيل الحكومة​، يتمحور معظمها حول تمثيل سنة المعارضة، فيطرحها أمام رئيس الحكومة المكلف ​سعد الحريري​ وعلى غيره من قيادات سياسية، من دون أن يُكلِّف خاطره ويبحث الأمر مع أصحاب الشأن أي ​اللقاء التشاوري​ الذي أبدى كل تجاوب مع مبادرته السابقة وأعلن استعداده للتعاون معه”.

وأسِف كرامي على تعاطي رئيس الحكومة المكلف مع ما يجري من حوله، حيث أضحى هناك رئيس مكلف ووزير مؤلِف، من دون أن يثير هذا الوضع الغيارى على موقع ​رئاسة الحكومة​، من رؤساء حكومات سابقين ودار فتوى ومشايخ، الذين كما يقول “رفعوا الصوت عاليا إزاء مطالبتنا بأحقية التمثيل في الحكومة، فيما تراهم يغضون الطرف عن التعدي الحاصل على هذا الموقع حين يقوم وزير بمهمة التأليف والحل والربط”.

الكل يربح إلا كرامي

ويبدو أن كرامي لم يخرج إلى غاية اليوم من عقدتيه الرئيسيتين. أولاهما اغتيال عمه الرئيس الشهيد رشيد كرامي، ورغم تبرئة المجلس العدلي رئيس القوات اللبنانية سمير جعجع من الجريمة، إلا أن كرامي لا يزال غير مقتنع وبنى في داخله حقداً يبدو من الصعب عليه تجاوزه.

وقد اغتنم ذكرى اغتيال عمه عام 2018 ليخرج بتصريح ناري قائلاً “لن ننسى ولن نسامح، وكل ما حصل باطل، والملف القضائي لا يكون حله إلا في القضاء، والبراءة لا تؤخذ بقرار سياسي، بل عبر القضاء وعبر قرائن البراءة، علما أن الحكم الذي أصدره المجلس العدلي غير قابل للمراجعة أو الاستئناف. ومع ذلك، أؤكد أن مشكلتنا ليست مع فئة من فئات المجتمع اللبناني، وليست مع حزب، بل هي مع شخص واحد يدعى جعجع قام بتنفيذ جريمة الاغتيال التي رسمها وخطط لها العدو الإسرائيلي”.

ورغم ذلك كله وجد نفسه فجأة “حليف حليف” جعجع بعد المصالحة التاريخية التي أجراها فرنجية مع جعجع، ليطويا بذلك أكثر الصفحات ألمًا ودموية في تاريخ العلاقات المسيحية الداخلية، لكنه مع ذلك لا يزال يكابر ويزعم أن ما حصل مجرد مصالحة شخصية بين جعجع وفرنجية وليس تحالفًا أو حتى تفاهما سياسيّا.

أما ثانية العقدتين فهي “متلازمة” الحريرية، فكيف ينسى أن الرئيس رفيق الحريري وصل إلى رئاسة الحكومة بعدما أطاحت “ثورة الدواليب” بحكومة والده الرئيس الراحل عمر كرامي عام 1992؟ وهو الذي كان قد ألمح سابقا إلى أن تلك الثورة “مصطنعة“ وكانت من تأليف وإخراج الحريري نفسه.

ولأن القدر مرسوم، خرج عمر كرامي من الحكومة مرة ثانية على دم الحريري عقب اغتياله عام 2005. ولا ينسى كرامي الابن، شأنه في ذلك شأن اللبنانيين، الخطاب المؤثر الذي أطلقته النائبة بهية الحريري في مجلس النواب وخاطبت به كرامي شخصيّا، فدعته إلى اتخاذ القرار الجريء تقديم استقالته “لأنه غير قادر على تحمّل دم رئيس الوزراء السني”، ما أثار غضب رئيس مجلس النواب نبيه بري الذي قال له أمام شاشات التلفزيون التي كانت تنقل الجلسة على الهواء مباشرة “لا، لا تستطيع أن تفعل ذلك”.

ولعل معارضته الشرسة للحريري الابن مبنية على هذا الغضب الدفين في نفسه، خصوصاً وأن زعامته العائلية الموروثة في طرابلس تراجعت بشكل حاد لصالح “الحريرية” التي اجتاحت العاصمة الثانية للبنان، وكرّست زعامة بديلة عن الزعامة “الكرامية” التقليدية، تُضاف إليها زعامة “موازية” صنعها الرئيس نجيب ميقاتي إلى جانب الشعبية الكبيرة التي يحظى بها النائب والوزير السابق محمد الصفدي.

وهكذا خرج فيصل كرامي كرأس حربة من جديد بعد تشكيل الحكومة، لكنه هذه المرة رأس حربة للخاسرين من الصفقة، خسارة مدوية ستزيد من مراراته