//Put this in the section

لمَ التزاحم على وزارة البيئة؟… أموال ”سيدر”!!

منال شعيا – النهار

أما بعد… وتشكّلت الحكومة. وتمّ ما تمّ. و”الى العمل” انصرف الوزراء، كما طلب منهم الرئيس سعد الحريري. بقي أكثر من سؤال محيّر عن حكومة التسوية أو حكومة “التوازنات الملتبسة”، حول أكثر من وزير وحقيبة.

وبعدما تنازل من تنازل، بقيت أكثر من علامة استفهام وتساؤل حول هذا الإصرار و”الاستبسال” على وزارة البيئة.

شريط البداية

الى البدايات نعود. تذكرون أنه حين بدأ الحديث عن تأليف الحكومة وتوزيع الحقائب، أي قبل نحو تسعة أشهر، بدا أن رئيس مجلس النواب نبيه بري يريد وزارة البيئة. بقي بري مصراً عليها حتى جولة المفاوضات الاخيرة.

تقلّب أكثر من اسم على احتمال تبوّؤ الوزارة. من حليمة الصدر الى وسيم منصوري، لكن حركة ” أمل” لم تنل تلك الحقيبة في النهاية.

وفي “البروفيل” الشخصي للصدر ولمنصوري، كان يفهم ان إصرار بري على البيئة يأتي من خلفية ما، أولاً خلفية العمل النظيف والسمعة الطيبة التي تمتاز بها الصدر، وما لها من إرث عائلي ومخزون ثقافي، والشق الدستوري الذي يختبره جيداً منصوري لتجربته الطويلة في هذا المجال. إلا أن هذين الاحتمالين لم يكتب لهما النجاح. في الأساس، يعرف عن بري أنه لا يحبذ كثيراً تسريب أسماء وزراء حركة “أمل”، وهو لم يخفِ أصلاً امتعاضه من تسريب احتمال خبر توزير الصدر، إلا أن العملية لم تصل الى خواتيمها، على الرغم من ان كثيرين عوّلوا على إمكان ان تكون تجربة الصدر، ناجحة كالتجربة التي طبعتها الوزيرة عناية عز الدين في وزارة التنمية الادارية، والتي تركت بصمة، وأظهرت جدّية في العمل.

كل هذا لم يحصل. بقي بري على إصراره العلني، فيما رئيس “التيار الوطني الحر” الوزير جبران باسيل لا يعلنها على الملأ، لكنه يريدها: “وزارة البيئة ستبقى معنا”… وهذا ما تظهّر في الربع الساعة الأخيرة، حين بدأت جولة تفاوضات جديدة، انتهت بإبقاء القديم على قديمه.

والسؤال، لمَ هذا “الاستبسال” على وزارة البيئة؟

“فضلة” الوزارات

في الماضي، يذكر البعض أن وزارة البيئة كانت تبقى “فضلة” الوزارات. كانت من الوزارات الهامشية، على رغم أهميتها، لكن لم تخض يوماً معركة ما من اجلها، كما حصل أخيراً. اليوم، باتت هي نجم “الوزارات”. حتى كان من يقبل بأن يصبح وزيراً للبيئة، كان يعتبر من المضحّين أو من الوزراء غير الأساسيين.

كان ذلك قبل 2012. قبل تلك الاعوام، قّلة من وزراء البيئة طبعوا مكانهم، كالوزير وئام وهاب والوزير محمد رحال. إذ حاول، كل على طريقته، خوض معركة الكسارات وإقفالها، مستفيدين من ظرف ما ودعم ما.

على الهامش، كان يجلس وزراء البيئة في مكاتبهم، ولم تكن أخبارهم تغطى او حتى تلاحق. في هذه الفترات، كان عمل الناشطين البيئيين لا يتوقف، الى ان كبرت الفاجعة وتلاحقت الانتهاكات.

المفصل القانوني والأموال

في الـ2012، مفصل قانوني مهم. المرسوم الرقم 8633 يصدر في 9 آب 2012.

إنه مرسوم أصول تقويم الأثر البيئي. لم يعد من مهرب قانوني. قد يكون ثمة مجال للإغفال او” التذاكي”، انما لا يمكن أبداً القول أن ليس هناك من ضوابط قانونية، لا سيما حين نعلم أن الهدف الاساسي من هذا المرسوم هو: “تحديد الأصول التي ترعى تقويم الاثر البيئي للمشاريع العامة والخاصة تلافياً للنتائج البيئية المهمة المحتمل حدوثها عند انشاء المشاريع وتشغيلها”.

هكذا، باتت معظم المشاريع خاضعة لهذا التقويم والاصول محددة وواضحة في المرسوم، والذي وضع بشكل علمي محترف، وحدّد ضوابط وأعطى وزارة البيئة صلاحيات في التصنيف البيئي وإجراء الفحوص المطلوبة وتقويم الأثر على أي ضرر محتمل.

كل هذا، بات في لبنان. وقبله، كان قانون البيئة الرقم 444، والذي صدر في تموز 2002، على عهد الرئيس اميل لحود، والذي يعتبر قانون “حماية البيئة” بامتياز. هذا، الى جانب مرسوم تنظيم المقالع والكسارات. كل ذلك يشكل أرضية قانونية صلبة تعاكس، بالوقائع، مقولة ان “ليس عندنا قوانين بيئة في لبنان”.

وكل ذلك، يجعل من وزارة البيئة وزارة أساسية، فيها عمل وجد ومراقبة.

في الأعوام الثلاثة الأخيرة، اتسعت “الفجوة” البيئية. نفايات، سدود، كسارات، مرامل، معامل، محارق واللائحة تطول…

باختصار، في وزارة البيئة “وجع راس”، وبالتالي ينبغي أن تختار بدقة وعناية مواصفات و”بروفيل” وزير البيئة العتيد. أبلغ مثال، أن ثمة وزراء قاموا بواجبهم، في مكان ما، وتالياً قد يكونوا دفعوا ثمناً ما، وساهموا في أن تصبح العيون مسلّطة على تلك الوزارة.

في المثال، وزير البيئة محمد المشنوق. وفي 31 آب 2015، أصدر موقفاً شهيراً، أرسله في كتاب إلى وزير الطاقة حينها أرتيور ناظريان، وفيه تقويم للأثر البيئي لسد جنة الشهير. كان موقف الوزير ودراسة تقويم الأثر البيئي واضحين، مما لا يقبل الجدل او الشك. ان موقف الوزير يطالب ” بالبحث عن بدائل من دون الإضرار بالبيئة”، ويطالب أيضاً “بلجنة خبراء للكشف عن الأضرار وتأهيل المواقع”.

وكان المشنوق أيضاً أرفق ذلك بمؤتمر صحافي شهير في بداية الـ 2016، قال فيه: ” قطع الأشجار في سد جنة غير شرعي، ولن أوافق على الكارثة”.

كل ذلك، من فم الوزير نفسه. ولأن “وجع الراس” يمكن ان يأتي من الوزير، كان لا بد من اخذ الاحتياطات. يومها، لم يؤخذ بكتاب المشنوق ولا بكلامه. طوي الملف، لا بل استمرت “الانتهاكات” في سد جنة وتوالت الفضائح البيئية. ومن يومها أيضاً، بات التفتيش عن ” بروفيل” معيّن لوزير البيئة أمراً ضرورياً.

وربما “وجع الراس” هذا ما دفع برئيس الحزب التقدمي الاشتراكي النائب السابق وليد جنبلاط الى القول: “دخيلكم، ما بدّي البيئة”.

يبقى عامل أساسي، لا يمكن أبداً غغفاله. إنها أموال مؤتمر “سيدر”. باتت وزارة البيئة، بعد مؤتمر “سيدر” جنّة الوزارات، فيها الكثير من الأموال، أو بالاحرى، اغلبية المشاريع ستمر بوزارة البيئة، من السدود الى الطرق والاوتوسترادات وغيرها… كلها، أموال ستمر من طريق البيئة… إن مجمل الاموال الموعودة من “سيدر” نفسه تبلغ 11 مليار دولار. اما في ما يختص بالبيئة وحدها، فإن قانوناً واحداً مثل قانون ادارة النفايات الصلبة يكلّف مليار و400 مليون دولار، تتوزع على إنشاء ثلاث محارق في بيروت وطرابلس والزهراني. والى جانب هذا القانون، ثمة مشاريع أخرى مثل تمويل معامل فرز في عكار والبقاع، والتي تبلغ كلفتها 175 مليون دولار، ومشروع معالجة أكثر من 900 مكب بكلفة 100 مليون دولار.

وبعد، أما زلتم تسألون “لم التزاحُم على البيئة”؟.