//Put this in the section

حكومة الحريري: حاجة حزب الله وسط العاصفة

هيام القصيفي – الأخبار

يحتاج الرئيس سعد الحريري الحكومة لأسباب داخلية، لكن حاجة حزب الله له تكاد تكون أكبر، وسط التحديات التي تواجه الحزب ولبنان، في مرحلة تكثر فيها الرسائل الأميركية التحذيرية

في خلال أسبوعين، توالت الرسائل الأميركية في شأن تشكيل الحكومة والحقائب التي سيتولاها حزب الله، و«النصائح» التحذيرية بعدم الدخول إلى سوق إعمار سوريا. حرص الأميركيون على إيصال رسائلهم بوضوح وعلانية، وما لم يقولوه علانية، عملوا على تسريبه مواربة كي يكون معروفاً. بعد أقل من أسبوعين على هذا الكلام الواضح، بما في ذلك عدم ممانعة تعويم حكومة تصريف الأعمال، يؤلف الرئيس سعد الحريري حكومته الثانية في عهد الرئيس ميشال عون.

في العادة، لم يكن إعلان مراسيم التشكيل، ليتم إلا بقرار إقليمي ودولي، وتقاطعات خليجية – إيرانية – سورية تسمح بتسويات من هذا النوع. في الأيام الأخيرة، ومع ازدياد عدد الرسائل الأميركية المباشرة، لم تكن كلمة السر قد صدرت. لم يظهر حلفاء واشنطن أنهم على بيّنة من احتمال تشكيل الحكومة سريعاً، لا بل ارتفعت مؤشرات اعتذار الحريري عن عدم التأليف. ما حصل في الساعات الأخيرة دفع سياسيين إلى التساؤل بجدية، هل يمكن أن يذهب الحريري إلى «تجاهل» رسائل واشنطن، رغم حرصها على أن تكون متتالية وعلنية، فيُسهم في نزع فتيل تطويق حزب الله من خلال حكومة، للحزب فيها حصة وزارية وازنة عددياً وسياسياً؟ وهل يمكن أن تتكرر تجربة التسوية الرئاسية، مع الحكومة، فيقدم الحريري موجباتها وتبريراتها، ما يؤدي إلى موقف أميركي له دلالاته: لا تعطي مباركتها لها، ولا تعارضها، لكنها تدير ظهرها لها؟ علماً أن موجبات الحكومة تجاه واشنطن حالياً أكبر مما كانت عليه زمن التسوية الأولى.

فأين يكمن سرّ توقيت إعلان الحكومة برئاسة الحريري نفسه، ومن يستفيد أكثر؟ هو أم حزب الله؟

منذ تأليف الحكومة الأولى، والكلام الأساسي يدور حول حاجة الحريري لعودته إلى الساحات السياسية المحلية والإقليمية والدولية والمالية والاقتصادية، تارة تكون الحجة مؤتمرات دولية تؤمن الأموال وإنعاش الاقتصاد، وتارة تهدئة الساحة الداخلية وتحييد لبنان عن أي توتر إقليمي. لكن حكومته الثانية لها معايير مختلفة، لا علاقة لها بالداخل. ففي توقيت دقيق يتعلق بالتطورات السورية والإيرانية، والتهديدات الإسرائيلية المتتالية، تبصر الحكومة النور، وسط جملة معطيات لافتة وتساؤلات عن كيفية مقاربة هذه الحكومة للمرحلة المقبلة.

يستفيد حزب الله اليوم من الحكومة برئاسة الحريري تحديداً، ليس لاعتبارات داخلية، أو لنزع فتيل أي توتر سني – شيعي، بل لأن الحريري بواجهته الغربية والخليجية، قد يكون صمام أمان، ومساعداً، مع احتمالات مفتوحة، تتعلق بالعقوبات الأميركية المتصاعدة، سواء في ما يتعلق بسوريا أو إيران، وجنوح إسرائيل نحو أي عملية ضد لبنان أو لبنان وسوريا معاً.

تختلف المرحلة الحالية عن مرحلة عام 2006، ووجود الرئيس فؤاد السنيورة على رأس الحكومة حين وقعت حرب تموز. مهما قيل في حينه وبعد تلك المرحلة، كان السنيورة العنصر الوحيد في إدارة لعبة التفاوض الدولية. اليوم، على رأس السلطة رئيس للجمهورية لا يكنّ له الأميركيون أيّ ودّ، ولا يقيمون معه ومع فريقه أيّ علاقة جدية، ما خلا المتعارف عليها ديبلوماسياً. أساساً، الرسائل الأساسية التي توجه إلى لبنان لا تمرّ عبر هذه القنوات، بل عبر حلفاء واشنطن المعتمدين. يدرك حزب الله جيداً أن معادلة وجود عون في أي تطور إقليمي، يخدم الحزب داخلياً وإقليمياً. والاثنان، مهما اختلفا، متوافقان استراتيجياً، لكنه لن يكون ضمانة دولية له وسط الاصطفاف الراهن وموقف واشنطن تحديداً من رئيس الجمهورية. لذا، تكمن مصلحة الحزب في ترؤس الحريري لحكومة تتولى هي إدارة أيّ ملف دولي مع تصاعد التوتر الإقليمي إلى حده الأقصى.

المشكلة تقع على عاتق الحريري، وهي بدأت تطرح تساؤلات في السلك الديبلوماسي الغربي، عن إدارة لبنان أيّ ملف مستجد له علاقة بالجنوب وبالقرار 1701، ولا سيما أن خطاب حزب الله في ما خصّ الإنفاق قد لا يتوافق مع خطاب لبنان الرسمي عند أيّ منعطف تضطر فيه حكومة لبنان إلى مواجهة المجتمع الدولي في شأن الجنوب وأي اعتداء إسرائيلي.

ويضاف إلى ذلك مشكلة أساسية تتعلق بالعلاقة مع سوريا. فإلى أيّ مدى يمكن الحريري أن يتذرع بمواقف وبخطوات مواربة للالتفاف على أيّ علاقة مباشرة مع سوريا، سبق أن بُحثت في حكومته الماضية، وخصوصاً إذا حصل أيّ اعتداء يطاول لبنان وسوريا معاً، ولا يستطيع الهرب إلى الأمام من هذا التحدي؟ من دون أن ننسى أيضاً ما يتعلق بملفي العقوبات المالية والاقتصادية على الحزب وإيران وسوريا، وهي عقوبات بدأت تأخذ منحىً تصاعدياً، وقد يمسّ لبنان بطريقة مباشرة، فضلاً عن التلويح بصدور قرارات عن المحكمة الدولية. وهنا يمكن التساؤل حقيقة عن كيفية مقاربة الحريري للمرحلة المقبلة، وأي خريطة طريق يعتمدها في مواجهة الضغط الأميركي.

التجربة علّمت في لبنان أن فرنسا ليست «الحامية»، والاتكاء على دور فرنسي لمواجهة أيّ تحديات أميركية مقبلة، لا يمكن تقريشه عملياً. فـ«سيدر» ومقرراته وأمواله تصبح في خبر كان عند أيّ مواجهة على مستوى كباش أميركي إسرائيلي ــ إيراني في المنطقة.