//Put this in the section
سركيس نعوم

”حسم حكومي” أم ”رسالة رئاسيّة” أم سحب تكليف؟ – سركيس نعوم – النهار

لم تَصدُق المرجعيّات اللبنانيّة وخصوصاً التي منها لها دور مباشرة في تأليف الحكومة مع اللبنانيّين. فمنذ 32 أو 33 أسبوعاً وهي تَعِدهم بصدور مراسيمها ثم بالانكباب على العمل من أجل معالجة المشكلات التي يُعانون على كل الصعد وفي مختلف المجالات والحقول. لكن “على الوعد يا كمّون” كما يقول المثل. فلا اجتماعات الرئيس ميشال عون بالرئيس المُكلّف سعد الحريري نجحت في حل عُقد التأليف، ولا اللقاءات الطويلة، بين الثاني ووزير الخارجيّة رئيس “التيّار الوطني الحر” جبران باسيل سواء في بيروت أو في باريس وربّما غيرها من عواصم العالم، رغم التفاهم أو بالأحرى التقارب الذي يتردّد أنّه قام بين الإثنين منذ مدّة طويلة والذي شمل إلى السياسة الداخليّة سياسات خارجيّة معيّنة، وربّما قضايا “أعماليّة” إذا جاز التعبير على هذا النحو. طبعاً لا يقتصر عدم الصُدق أو قلِّته على المرجعيّات المُشار إليها بل شمل الأطراف الفاعلين في البلاد الذين يحرص كلّ منهم ومن زمان على توظيف كل عمل سياسي أو مشكلة أو أزمة وطنيّة كما كل تردٍّ في الأمن والاقتصاد والاستقرار المالي من أجل تعزيز أدوارهم في البلاد. وتناقضهم الواضح يلمسه اللبنانيّون كل يوم في انعدام إنتاج الإدارات والمؤسّسات على تنوّعها، إلّا التي لها علاقة مباشرة بالأمن رغم النفوذ السياسي المُتنوّع والمُتناقض داخلها. وهذا أمر مُستمرّ سواء كانت في البلاد حكومة قائمة رسميّاً أو فراغ حكومي. فالدولة كلّها لم تعد قائمة. وهذا ليس تعبيراً عن تشاؤم شخصي بل عام في المنطقة والعالم، وتحديداً في الدول المعنيّة بلبنان التي منها قامت بمبادرات عدّة كان آخرها في باريس لمساعدته على مواجهة مشكلات أساسيّة عدّة فيه.

في أي حال يريد اللبنانيّون أن “يأكلوا عنباً لا أن يقتلوا الناطور”، ولذلك فإنّهم يتمنّون أن يفي الرئيس المُكلّف العائد من باريس بالحسم الحكومي الذي وعد به. علماً أنّه ورئيس الجمهوريّة وأقرب الناس إليه لم يبخلوا عليهم بالوعود الزائفة منذ أشهر. لكن ماذا يستطيعون أن يفعلوا في ظل انقساماتهم العموديّة والأفقيّة إلّا الانتظار؟ إلّا أن السؤال الذي يطرحونه اليوم هو الآتي: ماذا سيفعل الرئيس الحريري إذا كان وعده الأخير بالحسم لم يتكلَّل بالوفاء، وماذا سيكون رّد الفعل على الموقف الذي سيتّخذ سواء عند رئيس الجمهوريّة ميشال عون أو عند رئيس مجلس النوّاب أو عند الأطراف الأكثر دوراً وقوّة وفاعليّة في البلاد؟

تُفيد معلومات المُتابعين الجديّين والمطّلعين أن الحريري لن يذهب إلى “السلبيّة” المُطلقة باتخاذه قراراً بالاعتذار والتخلّي عن محاولة تأليف حكومة، سواء لم يتوصّل مع عون إلى تفاهم على صيغة أو إذا قرّر بينه وبين نفسه وبعد تشاور مع حلفاء له وأصدقاء تقديم صيغة حكوميّة نهائيّة له طالباً منه أو بالأحرى متمنّياً عليه توقيعها، ولم يجد هذا القرار قبولاً من سيّد بعبدا أو ترحيباً. طبعاً لا يمكن التكهّن بالذي يمكن أن يفعله في هذه الحال. هل يعتكف؟ علماً أن تعذُّر تأليفه الحكومة خلال أشهر ثمانية ونيِّف هو في ذاته اعتكاف. هل يقبل تفعيل دور الحكومة المُستقيلة انطلاقاً من “الضرورة” الوطنيّة – السياسيّة التي لجأ إليها مجلس النوّاب أكثر من مرّة في أثناء رئاسة برّي له التي بدأت عام 1992 تقريباً؟ وهل يقبل أو يسعى إلى تعويم الحكومة أي إلى عودتها حكومة قائمة رسميّاً وقانونيّاً؟ علماً أنّ هناك سابقة تعويم لحكومة كان يترأّسها الدكتور سليم الحص أيّام الرئيس الراحل الياس سركيس بعد تعذُّر تأليفه حكومة جديدة. لكن علماً أيضاً أن الظروف في حينه كانت مُختلفة إذ كانت سوريا في البلاد والضوء الأخضر لها والأحمر. وعلماً أخيراً أنّ الرئيس عون أعلن قبل أيّام أو نُقِل على لسانه رفضه أي تعويم للحكومة المستقيلة.

إلى ذلك يتساءل المُتابعون أنفسهم ماذا يفعل عون في الحال المُشار إليها أعلاه؟ كان دائماً هناك مناخ في قصر بعبدا أو في أوساط “التيّار الوطني” وعدد من حلفائه وإن غير أساسيّين أن مواجهة اعتكاف الحريري وعدم اعتذاره وعناده تكون بتوجيهه رسالة إلى مجلس النوّاب يشرح فيها الرئيس عون ما حصل، ويطلب منه مباشرة أو مداورة سحب تكليف الحريري باعتبار أنّه هو الذي كلّفه ويمتلك تالياً حق سحب التكليف منه. وهذا حلّ كان طُرِح عبر الإعلام وبواسطة قريبين منه أكثر من مرّة منذ التكليف، لكنّه وُوجه برفض سُنّي شامل وبرفض الرئيس برّي وبرفض وطني مُتنوّع. وبدا الرئيس في مراحل عدّة مُرحِّباً به ومُستعدّاً له. لكنّه كان يتريّث ثمّ يتراجع عن اللجوء إليه تلافياً للعواقب. فهل يعتمده الآن؟ لا أحد يعرف لكن تحريضه على ذلك بدأ في الإعلام وفي زيارات معيّنة لقصر بعبدا. لكن ذلك لا يعني أنّه سينجح في إبعاد الحريري وتكليف شخصيّة سُنيّة جديدة. فهذه الخطوة غير دستوريّة والاجتهاد فيها لا قيمة قانونيّة قويّة له، فضلاً عن أن رئيس مجلس النوّاب الرافض له يمكن أن يقبل الرسالة فتُتلى في مجلس النوّاب، ثُمّ يُنهي الجلسة. وفي ذلك إضعاف لعون. ويمكن أن يفتح باب المُناقشة على صعوبة ذلك لمعرفته العواقب المُحتملة، إذ سيسود “الهرج والمرج” داخل المجلس وربّما يشتبك المُختلفون داخله، وقد ينعكس ذلك على “الشوارع” واستقرارها الأمني الذي تُفاخر به الدولة لأنّه إنجازها الوحيد. طبعاً يبقى هناك حلّ آخر لتلافي ذلك هو إفقاد النصاب عمداً، وذلك إضعاف آخر لعون.

فهل يصل الحريري وعون إلى هذه المرحلة الصعبة.