//Put this in the section

بِمَ التعلُّل – سمير عطاالله – النهار

ننقسم في البيت الى قسمين: القسم العاقل، ويضم زوجتي، وهي ترفض مشاهدة نشرات الأخبار وقراءة الصحف، وتكتفي ببرامج الثقافة والتسلية على القناة الفرنسية الثانية. ويتألف القسم الآخر مني، وأنا أصغي الى نشرة الأخبار كل يوم، واقرأ جميع الصحف، عندما لا أكون على سفر. ومنذ نحو عقدين وأنا في ديار الله الواسعة، معفى، بحمده تعالى، من الأخبار العاجلة وحكاية ابريق الزيت، وخوابيه، ومعاصره.

للمرة الأولى منذ عقدين، أمضيت هذه السنة (تاريخ شخصي) فترة قليلة الأسفار، كثيرة نشرات الأخبار. كل يوم كان علي أن أتابع، مع افراد الأمة في الوطن والمنتشرات والدياسبورا، وفق المصطلحات الحداثية الثورية، أنباء التكليف والتأليف.




ومثل أي فرد في الوطن والمنتشر والدياسبورا، تم ابلاغي أول الأمر، أن الذي يشكل الحكومة هو الذي تكلفه ذلك اكثرية النواب، استناداً الى دستور الجمهورية اللبنانية. وفي هذه الحال، هو الرئيس المستقيل سعد الحريري: يضع الرئيس المكلف لائحة بوزرائه، ويحملها الى رئيس الجمهورية، وتعلن من قصر بعبدا، باسم الشعب.

جنابك، كفرد في أمّة الدستور والاشعاع والنور وقانون النسبية الديموقراطي، ماذا تفعل؟ تفعل ما فعلته طوال عمرك: تنتظر، وتترك المسألة للمؤتمنين عليها: رئيس الجمهورية ورئيس الوزراء.

في الاسبوع الأول من الشهر الأول لدرب التشكيل، أُبلغ سميعة نشرات الأخبار أن المسألة معقدة قليلاً بين بعبدا والوسط. لا بأس، إلى الاسبوع الثاني من الشهر الأول. معوكره! ثم دخلنا الاسبوع الرابع من الشهر الخامس ومقدمات نشرات أخبار، مثلها مثلنا. تعرف قدر ما نعرف، وتحمَّلنا المسؤولية لأنه لم يعد أحد يعرف أين مسؤولية رئيس الدولة، ومسؤولية رئيس الوزراء، وماذا حدث لمهارة الرئيس بري الذي كلما تعقدت أمورنا، مد يده الى كمه ووضع أرنب الحل على الطاولة.

ومن نشرات الأخبار ومقدماتها أُبلِغَت الأمة أن مسألة الرؤساء ومراكز السلطة هذه، اصبحت خارج المفهوم الميثاقي الدستوري. انتبه جيداً الى صور العرض التشكيلي، فمن ترى حاضراً على الدوام في جميع الأمكنة؟ السيد وزير الخارجية. لذلك، توقف الرؤساء الثلاثة عن التحدث بأي كلام عن الحكومة العتيدة، ووقف الوزير جبران باسيل يبلغ الحاضر، والحاضر يبلغ الغايب، أن العيدية في عبِّه. وتبسَّم.

أنا شخصياً، بقيت نص نص على أساس من يكوهِ الحليب ينفخ في اللبن. وهكذا، جاء العيد ولم تأتِ معه العيدية. ففي هذا الوغى الدستوري الديموقراطي، غاب عن بالنا (اللعنة على ابليس) ان التشاوري بقي خارج التشكيلة. يا للهول…

عادت نشرات الأخبار الى الاسبوع الثاني من الشهر الأول. سافرت خلال هذه الفترة أربع مرات الى أربع دول مطمئنة البال، وفي كل مرة كنت أعود الى سماع الأخبار. كنت ابلَّغ، مع سائر ابناء الأمة الانتشارية، أن علينا أن ننتظر نتائج زيارات الوزير باسيل لبيت الوسط. وسرَت اشاعات مغرضة تقول إن الرئيس الحريري يشارك باسيل في تأليف الحكومة، لكن الوزير سارع، بتواضعه المعهود، الى نفي الدسائس، مؤكداً أنه كان في دافوس يلقن أميركا وبريطانيا درساً في ادارة الدولة من دون موازنة. أي، دولتيّ “وول ستريت” و”السيتي”.

بسبب انشغالاته عبر البحار، وفي ديار الانتشار (الاغتراب، في العهود البائدة)، قطع زيارته لدافوس وعاد الى العاصمة للاحتفال شخصياً بالذكرى الثالثة لمعراب. ونفحها (معراب) مشاعر لم تعرفها من قبل، وطبعاً من بعد أيضاً. وأما أنا، مواطن هذه الجمهورية، فرحتُ أجلس كل مساء أمام جميع القنوات اللبنانية، غير عابىء بتلك الخفيفة مثل البي. بي. سي، والسي. ان. ان، وروسيا اليوم. وطن النجوم أنا هنا. وبعد كل نشرة اخبار، تأتي اليّ زوجتي وتسأل بكل صدق: “شو؟ تألفت؟”. واجيب بكل صدق أيضاً: “لأ. بس إربت تنحل”.

في الشهر السابع قيل لنا ان 7 هو رقم الحظ. ولما انتهى، ولم ينته مخاض الجمهورية، قيل لنا على سبيل التهدئة، ربما كان الحظ كامناً في ارقام اخوات السبعة. أو جاراتها بلغة القمرجية. فقلبنا للسبعة ظهر المجِّن، وجلسنا ننتظر على أبواب ما يليها. وما يلي. وعلى باب الله: يا 8 يا 14. يا ستة التشاور. يا المادة 45. يا السبعة واخواتها وعماتها. عبث.

وانهالت علينا الاكاذيب والمؤتمرات: كبار الوكالات العالمية تستغل تغيب باسيل عن بيت الوسط لتخفض سمعتنا الاقتصادية. حتى البنك الدولي بدأ يتراذل. أرقام الدين العام أخذت تتضخم. أرقام البطالة تزوَّر. نسبة السعادة تخفض. أخبار الازمة المعيشية تُزيف. أنباء كاذبة عن أزمة سياسية واقتصادية ودستورية. برامج تلفزيونية مغرضة عن اسوأ حالات تلوث في الكون. قبل الكونغو – لا بعده. أنهار المرض القاتل فلتانة على الناس. العواصف من تحت لا من فوق.

أعود من السفر، ومثل الحيوانات الأليفة، أعود الى زاويتي وانتظر نشرة الأخبار. وحوالى موعد نهايتها تطل زوجتي وتسأل، بكل صدق وسذاجة وبقايا أمل: “شو؟ ألفها”. أحاول أن اشرح لها دلائل التفاؤل: الشيخ سعد طالع ع القصر. الوزير باسيل نازل ع بيت الوسط. الرئيس بري يتوقع شيئاً ما الاسبوع المقبل. وهناك ما هو أهم من كل ذلك على الصعيد العربي والدولي: لقد فك الوزير باسيل الحصار على قطر، وفكت قطر الحصار علينا: جاءنا أميرها لساعتين إثنتين، وأقرضنا نصف مليار دولار زيادة على ديوننا، وبسبب السرعة والبهجة، نسينا أن نقيم سرادق استقبال، وأن نمد سجادة حمراء.

لا وقت للشكليات. لذلك، فرقعنا فرحاً بنصف مليار أورو سندات، ولم نكلف أنفسنا حتى الرد على تحذير فرنسا وأمانتها على 11 مليار دولار.

من بعبدا الى بيت الوسط الى عين التينة، وصلنا الى باريس. اليوم التاسع من الشهر التاسع السنة تسع عشرة بعد الألفية الثانية. كان الراحل علي هاشم يروي حكاية سبقجي جاءه في الحلم الرقم 5 بخمس لغات منها الألمانية، فونف. فلما صحا في الخامسة صباحاً ذهب الى مكتب المراهنة ورابط امامه حتى فتح أبوابه، فدخل وراهن على الحصان الخامس في شوط الساعة الخامسة المؤلف من خمسة أحصنة. حل حصانه خامساً.

أعد لأ”الشرق الأوسط” منذ فترة سلسلة من الزوايا حول تأثر الشعراء بعضهم بنتاج البعض. والتأثر أو التوارد، لا يعني اطلاقاً النقل أو النسخ. ووجدت انه بدل العودة الى الدواوين منفردة فان “الف ليلة وليلة” تحمل مئات النماذج. ومنها مثلاً تأثر الأخطل الصغير في قصيدته “يا عاقد الحاجبين” بقصيدة أبو نواس: سكب الماء عليه / بأباريق اللجين.

أو لاحظ التقارب بين قصيدة الأخوين رحباني: أنا يا عصفورة الشجن – مثل عينيك بلا وطن. أنا لا أرض ولا سكن – أنا عيناك هما سكني. وقصيدة المتنبي: بم التعلل لا أهل ولا وطن – ولا نديم ولا كأس ولا سكن!

لكن الاكتشاف الأهم في “ليلة وليلة” لم يكن تشابه الجماليات، بل تشابه الدراميات الحكومية. كل ليلة موصولة بالأخرى. كل حكاية لها حكاية. كل تفسير له تدبير، وكل تعليل له الف علّة وعلّة.

آسف على المفاكهة. فهي فقط من باب شر البلية. وعندما سألتني زوجتي أمس، هل شُكِّلت الحكومة؟ أجبتها بما قاله ستيف بانون يوم سُئل أول مرة: هل تدري أن دونالد ترامب مرشح للرئاسة، فقال: في أي بلد؟