فنزويلا: جولة في حرب – حسين شبكشي – الشرق الأوسط

الأحداث المتتالية التي تحصل في فنزويلا لها علاقة بالصراع الغربي مع الصين، وليست شأناً داخلياً أبداً. تماماً كما حدث في حقبة الستينات الميلادية في مواجهة الولايات المتحدة مع الاتحاد السوفياتي وأزمة الصواريخ الكوبية، التي كانت موجهة سوفياتياً ضد أميركا حتى انتصر كيندي على خروتشوف، وأجبره على سحب الصواريخ.

اليوم أميركا لن تسمح للصين بالسيطرة على أهم مورد للنفط لها. أميركا تستورد 43 في المائة من إنتاج نفط فنزويلا، وأميركا أكبر زبون لها، كما أن فنزويلا أكبر مصدر لها. فنزويلا بلد يمارس اشتراكية متوحشة واندفاعاً اقتصادياً منقطع النظير حتى ضربت الأرقام القياسية في معدلات التضخم، ولم تجد بداً إلا أن تغرق في الاقتراض، وكان أكبر المنفتحين عليها لتقديم القروض: الصين.




وبدأت الصين تقدم القرض تلو الآخر مقابل رهن أصول لها. وبدأت علامات القلق تزداد في واشنطن من التوغل الصيني وزيادة نفوذها في فنزويلا، وزيادة تأثيرها في أميركا اللاتينية بصورة عامة (أحد أسباب إعادة اتفاق نافتا مع المكسيك، هو أن العملة الصينية فجأة أصبحت الثانية في التداول بعد البيزو المكسيكي، ما يعني تهديداً للأمن الاقتصادي الأميركي من دولة مجاورة). أميركا تتعامل مع هذا التهديد كتلة موحدة فلم يعترض أي أحد من الحزب الديمقراطي على سياسة وقرار الرئيس ترمب باتجاه فنزويلا، وتحركت الخارجية الأميركية فوراً، وشكلت مع حلفائها الغرب بالاتحاد الأوروبي وأستراليا وغيرهم تكتلاً موحداً بعيداً عن خلافاتهم الأخرى، لأنه من الواضح جداً أن تهديد الصين لا بد أن يؤخذ بجدية ويتم وضع حد لأطماعها في منطقة محسوبة تقليدياً على المعسكر الغربي، العجيب والمثير للدهشة أن فنزويلا وهي دولة مؤسسة لـ«أوبك»، ومن أهم الدول المنتجة للنفط في العالم تمر بكل هذه الاضطرابات السياسية والتهديدات، دون أن يؤثر ذلك أبداً في الحالة السعرية للسلعة النفطية.

إنه حقاً تأكيد جديد أننا نعيش في عالم جديد تحكمه عوامل مختلفة، وأن العرض والطلب ليسا حراكاً عفوياً ولا بريئاً على الدوام. ومن الواضح جداً أن فنزويلا غير سوريا، وأن فنزويلا خط أحمر حقيقي وليس «أحمر» وهمياً، سواء بالنسبة لأوباما أو ترمب، فالنتيجة واحدة في سوريا، إلا أن فنزويلا الآن تعتبر نقطة مفصلية بالنسبة للأمن القومي الأميركي.

خطوة الاعتراف بالرئيس «الآخر» وعدم الاعتراف بمادورو رئيساً شرعياً للبلاد هي تثبيت غير مسبوق وتصعيد مهم. البرازيل وكولومبيا والأرجنتين وهي دول محورية ومؤثرة جداً في أميركا اللاتينية أيدت القرار الأميركي، ومن الواضح أن أميركا اللاتينية هي جولة مهمة من الحرب الباردة الجديدة بين الصين والغرب. حرب بأدوات جديدة وفي مواقع غريبة.

المعارك الجانبية في الحروب الباردة هي امتحانات للقدرات السياسية والاقتصادية للأطراف، وهي أيضاً وسيلة لمعرفة قدرة كل طرف على تحمل الاستفزاز الذي يأتي.