//Put this in the section

غسان كنفاني: لك شيء في هذا العالم… فَقُم

غادة السمان – القدس العربي

استفزني خبر حول (أوامر) إسرائيل بإزالة النصب التذكاري لغسان كنفاني الذي نُصب داخل مقبرة «النبي صالح» في مدينة عكا، ولم تدهشني دعوة اللجنة الشعبية في عكا لفلسطينيي (الداخل) للتظاهر تنديدا بقرار إسرائيل هدم النصب التذكاري لغسان، وهو سلوك يذكرنا بالسلوك النازي العنصري الذي تمارسه اليوم حكومة الاحتلال الفاشية التي اغتالت غسان وتريد اليوم اغتيال نصبه التذكاري في مدينة ولد فيها عام 1936 (ولم يأت إليها مهاجرا) ثم عاش في يافا حتى عام 1948 حين اضطر وأسرته لمغادرة وطنهم كلاجئين إلى لبنان فسوريا.. والكويت..




نصب تذكاري يُرعب دولة احتلال!

هياج إسرائيل ضد النصب التذكاري لغسان كنفاني في مقبرة «النبي صالح» في عكا جزء من محاولتها الفاشلة لإلغاء الحضور الفلسطيني في كل حقل.. ومسح الذاكرة العالمية حول شعب تمت سرقة وطنه.. ومحاولة إهداء مرض (الألزهايمر) للشعب الفلسطيني لينسى أن إسرائيل التي تتاجر بمعاناتها مع أفران الغاز النازية تحاول أن تنشر أفران الغاز في حياة الفلسطيني المتمسك بوطنه وتحاول تسميم حياته وتنفسه تسميما يوميا بطيئا مستمرا منذ عام 1948. لكن الرئة الفلسطينية تستعصي عليها.. فالأرض لها: وغسان كنفاني الذي لم تكتف إسرائيل باغتياله تحاول اليوم اغتيال كل ما يذكر به كنصب تذكاري حتى ولو كان في مقبرة، إنه أمر يرعب سلطات الاحتلال، وصوت غسان يدوي كما كتب لفلسطين: «لك شيء في هذا العالم… فقم».. (أي لك وطن فلتقم المقاومة لانتزاعه من العدو).

محاولة كتم صوت محمود وغسان

نفور وزيرة الثقافة الإسرائيلية من قصائد محمود درويش ومنع تلاوتها في فلسطين المحتلة جزء من محاولة مسح الذاكرة الفلسطينية المبدعة بالذات.. فالإبداع سلاح لا يقوى عليه أي محتل.. ولذا، أجدد النداء لجمع تراث غسان كنفاني المكتوب سواء كان مقالات سياسية أو فنية أو عاطفية (رسائل حب) لطالما نشرها في زاويته «أوراق خاصة» في جريدة «المحرر» كما نشر مثلها في الملحق الأدبي لجريدة «الأنوار» وكان رئيسا لتحرير الملحق ويكتب باسم فارس فارس، ناهيك عن كتاباته في مجلة «الهدف» التي كان يصدرها، وكل ما ذكرته من أسماء للصحف والمجلات توقف عن الصدور من زمان، وبالتالي كلما مر الوقت تعذر الحصول عليها إلا من الأرشيفات الخاصة. ومن طرفي كنت قد احتفظت بكل حرف نشره غسان كنفاني باسمه أو باسم مستعار، ولكن القذيفة التي قصفت غرفة مكتبتي في الحرب الأهلية اللبنانية التهمتها.. وبقي لدي النادر، وقد نشرت في كتابي «محاكمة حب» نموذجين منها يدلان على براعة غسان حتى في فن السخرية من «نزار قباني» مثلا!! وكانا يلتقيان صدفة عندي، وأعتقد أن جمع التراث الأبجدي لغسان قبل فوات الأوان وبغض النظر عن الاعتبارات كلها أمر ملحّ.. سيغيظ إسرائيل.

«اليهودي التائه» أم العربي التائه؟

جمرة إضافية أشعلت غضبي الذي تجسد اليوم في سطوري، وهي الفيلم الذي شاهدته ليلة البارحة على شاشة القناة الثانية الفرنسية واسمه «بطل الأبطال» وهو للأسف فيلم جذاب وجميل ويتحدث عن مدرب رياضي فرنسي للملاكمة (يلعب دوره الممثل الشهير جان بول بلموندو) يشارك وفريقه في الألعاب الأولمبية التي عقدت في برلين عام 1932 برعاية هتلر، كما يقول الفيلم.
بلموندو في الفيلم يحمي طفلا يهوديا في العاشرة من شر «الغستابو» النازية وبالتالي أسرته المبدعة موسيقيا.. والفيلم كوميدي ومسل ويجعلنا نشفق على اليهود مما أصابهم من اضطهاد أيام هتلر.
ولكن هل يكفي ذلك تبريرا لسرقة أرض فلسطين؟ وكيف يتم ظلم قوم في مكان ويقومون بالانتقام في قارة أخرى وعصر آخر ودولة أخرى هي فلسطين؟ ولماذا أهداهم بلفور فلسطين بدلا من أرض بريطانية أو ألمانية؟ ومن يصدق أن فلسطين كانت وطنا بلا شعب وجاءها شعب بلا وطن، كما يزعمون، ويحاولون تبديل الأسماء العربية لمدن فلسطين إلى عبرية مثلما تم مثلا تبديل اسم بلدة.. «الخالصة» إلى «كريات شمونة».

نصبك التذكاري في قلوبنا يا غسان!

المقاومة الفلسطينية تثبت كل يوم حضور شعب نبيل يناضل لاسترداد وطنه من المحتل، وله فنونه الخاصة به في الحقول كلها التي تحاول إسرائيل سرقتها وإعادة تصديرها للغرب على أنها لها، بما في ذلك الأزياء الشعبية، والطعام المحلي العريق.. والأدب يعريها ويعيد الفضل إلى أهله، ولذا لا تطيقه إسرائيل وتقمعه وتحاول هدمه كما نصب غسان كنفاني في مقبرة النبي صالح في عكا.. من الممكن هدم البيوت وتوزيع ديدان الاستيطان في كل مكان، وبالذات في القدس وحولها، ولكن من المتعذر الاستيطان في الذاكرة العربية والفلسطينية إلا بالنقمة عليها.
وكم يتمزق قلبي وأنا أرى تلك الصور لجنود إسرائيليين يعتقلون صبيا عمره أقل من 13 سنة ويشهرون هراواتهم ويفتشون على الحواجز سيدة بطريقة مهينة .. أو تزدحم سجونهم بأسرى ما زالوا يقاومون كل قهر لهم ويهربون نطفهم لتلد زوجاتهم أطفالا سيكبرون ويتحدون إسرائيل.
وها هو الهولوكوست الصهيوني يحاول هدم نصب شهيد سبق أن اغتاله. لا تقلق يا غسان، فنصبك التذكاري في قلوبنا ولا أحد يستطيع هدمه في قلوب ملايين العرب.