//Put this in the section

نصرالدين الغريب شيخ في قفص حزب الله بمهمة شق وحدة الدروز

صلاح تقي الدين – العرب

كما باقي الطوائف اللبنانية، يقوم على أبناء طائفة الموحدين الدروز “شيخ عقل” يكون بمثابة البطريرك للموارنة والمفتي للمسلمين السنة ورئيس المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى وباقي رؤساء الطوائف الأخرى.

غير أن الصراع السياسي التقليدي بين الزعامتين الجنبلاطية واليزبكية التاريخي، تجسّد في مراحل سابقة بوجود “شيخين للعقل”، يتولى كل فريق دعم “شيخه” إلى أن كان العام 2006 حين أقرّ مجلس النواب اللبناني قانونا يوحّد مشيخة العقل وينشئ مجلسا مذهبيا يقوم بإدارة شؤون الموحدين وينتخب “شيخ العقل” ويلغي كل نص يشير إلى وجود شيخين للعقل.

وبعد صدور القانون، انتخب أبناء طائفة الموحدين الدروز مجلسهم المذهبي في العام ذاته، وانتخب الشيخ نعيم حسن شيخا للعقل وهو المقام الذي يصبح حكما رئيسا للمجلس المذهبي الذي من بين أعضائه الحكام النواب والوزراء الحاليون والسابقون. ويقوم بإدارة شؤون الوقف ويشرف على الأعمال الاجتماعية والثقافية والصحية لأبناء الطائفة.

غير أن الأمير طلال أرسلان، الذي سقط في انتخابات العام 2005 بعدما قرّر رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي وليد جنبلاط عدم ترك مقعد شاغر له على لائحته في دائرة عاليه، ورشّح النائب فيصل الصايغ مكانه، لم يرق له ما حصل، وقرّر الانتقام من خلال إعادة إزكاء الخلاف اليزبكي الجنبلاطي من بوابة شيخ العقل.

فجمع حوله في دار خلدة من يعتقد أنهم قاعدته الشعبية، وإليهم انضم النائب السابق فيصل الداوود الذي خسر مقعده في دائرة راشيا البقاع الغربي أيضا لصالح مرشح جنبلاط النائب والوزير وائل أبوفاعور، وقرروا تسمية الشيخ نصرالدين الغريب شيخا للعقل يمثلّهم، في خطوة غير معترف بها من الدولة اللبنانية ولا ترتب أي مفاعيل قانونية.

تعليمات من الخارج

الغريب رجل دين درزي ولد في بلدة كفرمتى في قضاء عاليه وهو شقيق قاضي المذهب الشيخ مسعود الغريب الذي قتل مع أكثر من 100 درزي من أبناء بلدته لجأوا إلى دارته في البلدة أثناء الحرب الأهلية.

ورغم انتمائه إلى عائلة متمسكة بالتوحيد التزم أبناؤها تعاليم الدين، إلا أن الغريب مارس مهنة بيع الفحم الذي كان ينتجه من مشاحر الحطب، قبل أن يغير مهنته ويفتح دكانا وملحمة في قريته. خطوة تسميته شيخا للعقل تجاهلتها الدولة اللبنانية، وتعاملت معها وكانها لم تكن، على اعتبار أنها ليست مسؤولة عن دفع راتب الشيخ الغريب.

حيث يتقاضى شيخ العقل راتبا من رئاسة الحكومة اللبنانية شأنه شأن مفتي الجمهورية ورئيس المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى. كما لم تتعامل الحكومة مع أي مراسلة وجهها إليها، ولو فعل لوقع تحت جنحة انتحال شخصية وهو يعاقب عليها بموجب القانون، معتبرة أن ما حصل ليس سوى انشقاق داخلي في صفوف أبناء طائفة الموحدين وليس لها أن تتدخل لحل خلافاتهم.

هذا الواقع تغيّر بفعل حسابات كيدية أو تنفيذا “لأوامر” استخبارية خارجية. إذ وجهت دوائر القصر الجمهوري في الأسبوع الماضي دعوة إلى المسمى شيخا للعقل في دار خلدة لحضور الجلسة الافتتاحية للقمة العربية الاقتصادية التي استضافها لبنان. وهو ما أثار تساؤلات عديدة عن الهدف من هذه الدعوة، وعما إذا كانت “هفوة” بروتوكولية من القصر الجمهوري، أم هي محاولة إضافية تضاف إلى مسار التدخل في شؤون الدروز ومحاولة لتحجيم زعامة جنبلاط الشعبية والسياسية في آن.

الغريب أيضا أن الغريب قبل الدعوة ولباها مزهوا، ربما لأنه لا يزال يعيش تحت تأثير “أحلام اليقظة” بتسميته في أعلى منصب يحلم به، لكن الارتدادات التي رافقت الدعوة جعلته يعيش واقع الصدمة. فبعد تداول المسألة كثيرا عبر وسائل الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي التي لم توفره من الانتقادات و”الإهانات الشخصية”، لم يجد الغريب من يدافع عنه، ولم يصدر “أولياء الأمر” بيانا يؤكدون فيه أنه تمت دعوته لأنه شيخ عقل طائفة الموحدين الدروز، رغم أن أحد المواقع الإلكترونية سرّب ببطافة الدعوة التي وجهت إليه بهذه الصفة.

نسف الميثاق الوطني

رئيس “التيار الوطني الحر” الوزير جبران باسيل الذي يتصرّف على أنه “الوزير المكلف” بتشكيل الحكومة، و”رئيس جمهورية الظل”، حاول أن “يكحّل” الدعوة فأصابها “بالعمى” حين قال إن دعوة الغريب تمت كما تتم دعوة أي مطران آخر، فوضع الغريب بمرتبة مطران لديه مرجع أعلى هو البطريرك، وفي ذلك نزع عنه صفة شيخ العقل التي لا يعلوها أي منصب ديني آخر لدى الموحدين.

مشيخة العقل الرسمية أصدرت بيانا قالت فيه “إن ما بلغته محاولات البعض لضرب ميثاق العقد الوطني الذي يجمع العائلات الروحية اللبنانية في بوتقة الوطن، من مستوى عالي الخطورة، لم يعد واردا التغاضي عنه بأي شكل من الأشكال، ولا يجوز السكوت إطلاقا حيال أي ممارسات تتعدى الإطار الدستوري والقانوني وتضرب ركائز العيش المشترك، وتخل بالثوابت والمسلمات الوطنية المعمول بها بين مكونات البلاد وخصوصيات عائلاتها الروحية التي كفلها الدستور وشرعتها القوانين. ونأسف أن يكون لنا بيان في هذا الإطار وما كان دأبنا وعهدنا إلا المطالبة بدولة القانون وصون الدستور والعمل وفقا لما تقتضيه مزايا الحكم العاقل الرشيد”.

وأوضحت أن ما حصل في القمة العربية الاقتصادية التي انعقدت في بيروت لناحية تخطي الأعراف والتقاليد ومبادئ العمل البروتوكولي عبر عدم اقتصار الدعوة إلى جلسة القمة على الرئيس الروحي للطائفة التوحيدية حصرا، إنما يشكل انتهاكا فاضحا للقيم والمفاهيم الوطنية، ويمثل مخالفة صارخة للدستور والقوانين والأنظمة؛ ويعد تدخلا مشبوها في الشؤون الخاصة بطائفة الموحدين الدروز التي أولاها الدستور حق تنظيم وترتيب أمورها؛ وتكرس ذلك بالقانون الصادر عن المجلس النيابي عام 2006 الذي حصر التمثيل الرسمي لطائفة الموحدين بالمجلس المذهبي المنتخب وبمشيخة العقل، كمرجع رسمي شرعي وحيد للطائفة.

لكن مكتب الإعلام في القصر الجمهوري رد على بيان مشيخة العقل ببيان قال جنبلاط  عنه إنه “غير مقنع لا بالشكل ولا بالمضمون”، معتبرا أنه “يبدو جزءا من تسديد فواتير مسبقة وتبييض الوجه أمام النظام السوري وحلفائه”.

وجاء في بيان القصر الجمهوري “توضيحا للبيان الذي صدر عن مشيخة عقل طائفة الموحدين الدروز، ومنعا لأي استثمار خاطئ، يهمّ التأكيد أنّ دعوة أيّ شخصيّة دينيّة أو غير دينيّة إلى احتفال رسميّ، لا تعني بأيّ شكل من الأشكال ‘انتهاك رئاسة الجمهورية القيم والمفاهيم الوطنية’، ولا تمثّل استطرادا ‘مخالفة للدستور والقوانين والأنظمة’. وبالتالي فإنّ الرئاسة حريصة على احترام الدستور وصونه وتطبيق القوانين، بقدر حرصها على وحدة الطوائف اللبنانية واحترام مرجعياتها، وتمثيلها في الاحتفالات والمناسبات الرسمية”.

مشروع تفكيك الطائفة

لا يخفي الغريب تأييده للنظام السوري ورئيسه بشار الأسد، لا بل يغتنم كل فرصة مناسبة لتوجيه رسائل “الاحترام والتأييد لخطه المقاوم” في محاولة منه لكسب الغطاء السياسي الذي يمكن أن يوفره له انضمامه إلى محور المقاومة والممانعة، وأبرز مواقفه كانت تلك التي تتعلق بالأزمة التي يعيشها أبناء طائفة الموحدين الدروز في محافظة السويداء السورية، حيث يناشد أبناءها “بضرورة الالتفاف حول النظام الذي وحده يؤمن لهم الأمان والاستقرار في وجه التكفيريين” ويذهب بعيدا في دعوتهم إلى الالتحاق بصفوف الجيش النظامي وتنفيذ الخدمة العسكرية الإلزامية.

من الواضح أن التدخل في شؤون طائفة الموحدين الدروز سواء نابع من رغبات داخلية سياسية، أو أوامر سورية هدفها الأول والوحيد الانتقام من مواقف جنبلاط لكسر زعامته الشعبية التي يكملها نجله تيمور، لكن أن يتحول الغريب إلى “وسيلة” لتنفيذ هذا الهدف، فهذا أمر غير مألوف في تاريخ هذه الطائفة الإسلامية العروبية. فأثناء الانقسام السابق، كان للدروز شيخان للعقل هما رشيد حمادة اليزبكي ومحمد أبوشقرا الجنبلاطي، وبعد وفاة حمادة في العام 1970، اتفق الزعيمان كمال بك جنبلاط والأمير مجيد أرسلان على عدم انتخاب شيخ ثان وبقاء أبوشقرا شيخا وحيدا للعقل على أن يصار إلى إصدار قانون يوحّد مشيخة العقل، لكن ظروف الحرب الأهلية منعت تحقيق هذه المسألة فاستمر أبوشقرا شيخا حتى وفاته في العام 1991  فتولى بعده القائم مقام شيخ العقل الشيخ بهجت غيث المنصب حتى صدور القانون في العام 2006.

والقانون المشار إليه تم توقيعه بالإجماع من قبل جميع النواب الدروز، وصادق عليه المجلس النيابي، وبالتالي أصبح نافذا وساري المفعول منذ صدوره، لم يلغ الانقسام السابق فحسب ووحّد مشيخة العقل، بل أنشأ مجلسا مذهبيا يشرف على كل الأعمال التي تؤديها مشيخة العقل وفي مقدمها الاهتمام بإدارة الأوقاف واستثمارها لصالح أبناء الطائفة.

لكن ما يجري اليوم سيقود دون شك إلى المزيد من التفكك، وهو برنامج مكرر عما فعله حزب الله مؤخرا حين استولد سنّته فقسم الطائفة السنية، وقبل ذلك حين استقطب مسيحييه من خلال دعمه القوي للتيار العوني.

ليبدو مشروع تقسيم طائفة الموحدين مشروعا جديا يجري الشغل عليه بشكل حثيث ودائم، من خلال تشجيع الباحثين عن الزعامة وحماية الخارجين على القانون وتهريب المطلوبين أمنيا إلى ما وراء الحدود السورية، ولكن هذا يبقى بحدود حجم تلك الشخصيات التي يجري استخدامها، بدءا من أرسلان ووهاب ووصولا إلى الغريب ذاته، قياسا لحجم مؤيدي هؤلاء الضئيل بالمقارنة مع أنصار المختارة.

إهانة عروبة لبنان

لم يوفر الغريب فرصة للنيل من العالم العربي إرضاء لحزب الله ومن خلفه إيران، ولا يزال صدى تصريحه خلال لقاء تشاوري في بيته في كفرمتى يتردد في الأسماع، حين قال واصفا التيارات التكفيرية “نرى جيوشا عربية أخرى تمدهم بالسلاح، وحكاما يغدقون عليهم الأموال الطائلة. وأميركا اللاعب الأكبر التي جعلت الساحة العربية ملعبا لها ولعملائها وتوهمنا بمقاتلة داعش، فكفاها استهزاء بنا ولم تعد تقيم للإنسانية ولا للعرب وزنا، إننا ندعو العرب للعودة لأصالتهم والتبصر بحكمة العقل والمنطق والرجوع إلى تاريخهم المشرف لعلهم يعقلون”.

وقد أشاد الغريب مرارا بالدور الإيراني في لبنان، معتبرا أن إيران تلعب دور الوسيط في هذا البلد، وقال إنه لولا هذا الوسيط “لم يكن هناك رئيس للجمهورية اليوم، ولولاه لما كان هناك قانون انتخاب على أساس النسبية ولما كانت هناك حكومة ولما كانت الحدود محمية لا في الجنوب ولا في الشرق، وهذا الوسيط لا يسألكم عن ذلك أجرا بل يقدم نفسه في سبيل لبنان، ثم يتهم بالمحور الإيراني  والعراقي والسوري ثم يصل إلى لبنان، وهذا الكلام الفارغ لا يصح بعد تجلية الحقائق”.

وأضاف الغريب في كلمته في تأبين مرافق النائب السابق وئام وهاب “نحن مع محور المقاومة من سوريا إلى العراق إلى إيران، وما يعز علينا اليوم أن نرى رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يزور الدول العربية، ويكون باستقباله الكثير من الحفاوة، ولكن من جهة أخرى يتقهقرون عند أسوار غزة وعند الشريط الشائك في جنوب لبنان”.

وكانت لقاءاته مع المسؤولين الإيرانيين إشارة إضافية واضحة لإعلان موقف، كلقائه مع السفير الإيراني في بيروت غضنفر ركن آبادي الذي قضى في مكة المكرمة في ظروف غامضة، اللقاء الذي تناقلت أخباره وكالة الأنباء الإيرانية وقناة العالم ومنابر حزب الله. حينها قال الغريب “إننا على ثقة بأن لا أحد يستطيع أن ينال من الجمهورية الإسلامية الإيرانية التي باتت عظمى اليوم، والتي تقف في وجه الامبريالية العالمية، وفي وجه العدو المتربص على حدودنا والمحتل لأرضنا”، معربا عن أمله في أن يكون العرب واقعيين.

لكن الشيخ الغريب يدرك في قرارة نفسه أنه ليس سوى واجهة لجهات سياسية تحاول بشتى الوسائل حتى لو كانت “استخدامه” شخصيا، تهدف إلى الانتقام من جنبلاط وخطّه السياسي، وهو مستعد ومن خلفه داعموه لأن يدفعوا من أجل تحقيق هذا الهدف أي ثمن مهما كانت خطورة اللعبة.