//Put this in the section

بعد ذهابه إلى باريس متفائلاً… هل يعود مُتشائماً؟

سركيس نعوم

فاجأ رئيس مجلس النوّاب نبيه برّي اللبنانيّين عندما أدلى بتصريح يوم الثلثاء في أعقاب زيارة الرئيس المُكلّف له سعد الحريري تضمّن نوعاً من “التفاؤل” بقرب تأليف الحكومة. والسبب أنّهم كادوا أن ييأسوا من الحصول على حكومة رغم أن الأوضاع الاجتماعيّة والاقتصاديّة والماليّة وغيرها وغيرها تفرض ومنذ أشهر كثيرة وجود حكومة فاعلة قادرة على الحدّ من الأضرار التي تسبّب بها زعماؤهم معهم. إلّا أن السؤال الذي يطرح نفسه بعد “التفاؤل” المذكور هو: هل كان في محلّه؟ الذين استمعوا إلى تصريح برّي يقولون إنّه لم يعكس تفاؤله بل تفاؤل الحريري. والذين يعرفون رئيس مجلس النوّاب يقولون إن ذلك لم يأتِ عفواً بل مقصوداً ربّما لعدم الالتزام أمام الناس بإنجاز لا يمكن أن يتكرّس ويصبح رسميّاً إلّا بتوقيع غيره، وهذا الغير إثنان رئيس الجمهوريّة والرئيس المُكلّف، وربّما أيضاً لأنّه يؤمن بالمثل القائل: “لا تقول فول حتّى يصير بالمكيول”. ذلك أنّه قال سابقاً “فول” لكنّه لم يُصبح في “المكيول” مرّة أو بالأحرى مرّتين. وكان مقصوداً أيضاً لأن الرئيس المُكلّف وعد أكثر من مرّة وإن بـ”غمغمة” ومن دون جزم وهي الطريقة التي يستعملها حين لا يكون متأكّداً من الموضوع الذي يتحدّث عنه للإعلام، ولم يفِ بالوعد.

وتأكيداً لذلك تُشير المعلومات المتوافرة لدى مُتابعين جديّين للرئيسين برّي والحريري إلى أن الحريري اجتمع يوم الإثنين الماضي برئيس “التيّار الوطني الحر” وزير الخارجيّة جبران باسيل. وطبعاً كان تأليف الحكومة موضوع البحث الأساسي عندهما، علماً أن لا شيء يمنع أن تكون على أجندتهما موضوعات أخرى للبحث. وعندما استقبل برّي الرئيس المُكلّف ولمس منه نوعاً من الحسم والعزم على التأليف وخصوصاً عندما أعطى نفسه أسبوعاً على أبعد تقدير لإنهاء هذا الموضوع، أدرك أن اجتماع الاثنين بين رئيسي “المستقبل” و”التيّار” كان ناجحاً. وطبعاً لم تأخذ حكومة الـ 32 نصيباً من البحث لأنّ الحريري رفضها من زمان وكرّر رفضه أكثر من مرّة. ولم يفاجئ ذلك برّي. لكن الذي فاجأه كان تجنّب الرئيس المُكلّف البحث معه في تمثيل “اللقاء التشاوري” الذي يضم ستّة نوّاب سُنّة حلفاء لفريق 8 آذار. وهو لم يُبادر إلى “فتح سيرة” هذا الموضوع، لكنّه اعتبر بينه وبين نفسه أن العقدة التي شكّلها اللقاء المذكور قد تكون حُلّت أو على الأقل اقتربت من الحلّ. إذ أن القسم الأكبر من حلِّها يتوقّف على الوزير باسيل المصرّ على حصوله وتيّاره على ثُلث حكومي مُعطِّل يكون الوزراء المن حصّة رئيس الجمهوريّة جزءاً منه. وقد تأكّد ذلك عندما أوحى للبنانيّين أنها حُلّت قبل أسابيع باختيار جواد عدره ممثّلاً لـ”التشاوري” في الحكومة، لكن تبيَّن لهم لاحقاً أنها مُستعصية إذ اشترط باسيل وبعد موافقة قصر بعبدا أن يكون عدره ممثّلاً نظريّاً للقاء المذكور وعضواً فعليّاً في “تكتّل لبنان القوي” الذي يترأّسه هو، كما في الفريق الحكومي لرئيس الجمهوريّة.

في أي حال تُفيد المعلومات نفسها أن الحريري بحث مع برّي في تعديل للحقائب التي سيشغلها وزراء الثاني و”حركة أمل” التي يترأّس من زمان، فالاتفاق تمّ ومن مدّة غير قصيرة على أن تكون حقائب الوزراء الشيعة الستّة على النحو الآتي: الصحّة والشباب والرياضة ووزارة دولة لـ”حزب الله”، والمال والزراعة ووزارة دولة لـ”أمل”. سأل الرئيس المُكلّف رئيس المجلس إذا كان يقبل إبدال الزراعة أو البيئة التي كان هناك كلام بإسنادها إلى “أمل” بدلاً من الزراعة بحقيبة الإعلام، فأجاب بالرفض. ثُمّ سأله إذا كان يقبل الصناعة بدلاً من الزراعة، فقال له: سأكتب على ورقة أمامك ما توافقنا عليه لكي يشهد علينا الله وحده عزّ وجلّ، علماً أنّنا لن نوقّعها، والهدف أن تبقى متذكّراً كي ننتهي من هذه الأزمة الحكوميّة. وكتب: الزراعة أو الصناعة أو البيئة. علماً أنه سمع من الرئيس المُكلّف أن “التيار الوطني” مُتمسّك بالبيئة. وقبل انتهاء الاجتماع أبلغ الحريري إلى برّي أنه سيُغادر لبنان إلى باريس الخميس ويعود إلى بيروت بعد 48 ساعة أي يوم السبت لاضطراره إلى تقديم واجب التعزية بقريبة له هناك. فلم يعترض برّي لكنّه سأل ضيفه: هل تريد أن تُدلي بتصريح للإعلام بعد الاجتماع؟ فأجاب: كلا. تكلّم أنت. فردّ برّي: سأتكلّم ولكن نيابة عنك. وهذا ما حصل. لكن ما علمه رئيس المجلس لاحقاً هو أن الرئيس المُكلّف التقى على هامش الواجب الاجتماعي الوزير باسيل ورجل الأعمال علاء خوجه. ولم يصله شيء على الأقل حتّى الآن عن مضمون مباحثات الثلاثة، وهل اقتصرت على السياسة أو تجاوزتها إلى حقول أخرى. وفي هذا المجال يعتقد برّي أن الصناعة قد تكون من حصّة جنبلاط.

هل ترى الحكومة النور الاثنين المقبل كما وعد الحريري؟

لا أحد يعرف. لكن برّي يقول استناداً إلى مُتابعيه وعارفيه إن الرئيس عون سأله بعد إبلاغه نتيجة الاستشارة المُلزمة وقبل وصول الرئيس الحريري من أجل التكليف: ما رأيك في حكومة من 32 وزيراً؟ فأجاب: لا مانع. وسأل الحريري بعد وصوله رأيه في الموضوع نفسه فأجاب: سأدرسه. وفي استشارات التأليف النيابيّة سأل برّي صاحب أوّل موعد مع الرئيس المُكلّف ماذا عن حكومة الـ 32، فكان الجواب رفضاً تامّاً لها. ثم أطلعه على حقائب “أمل” و”حزب الله” في الحكومة. وعندما تعثّرت الحكومة أكثر من مرّة قال برّي للحريري وأكثر من مرّة أيضاً: إذا استمرّ التعثّر والتصلّب عند الجهات المختلفة سنُطالب نحن بحصّة تتناسب وتمثيلنا سواء كـ”أمل” أو كـ”ثنائيّة شيعيّة”. وستبقى اليد على القلب لأن اللبنانيّين وُعدوا بصدور المراسيم أكثر من مرّة ولم تصدر.