//Put this in the section

ما يجري في فنزويلا.. ولماذا انشغل العالم بها فجأة؟ التفاصيل الكاملة للأحداث التي شغلت العالم

إذا كنت تتساءل لماذا عادت فنزويلا إلى تصدّر عناوين الأخبار؟ ولماذا تحدثت إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب كل هذه الضجة حولها؟ ولِمَ يبدو المراقبون قلقين إلى هذا الحد بشأن الأزمة السياسية التي تمر بها البلاد، فهذا العرض الأوليّ المختصر مفيدٌ لك؟

صحيفة New York Times الأمريكية  أعدت تقريراً مفصلاً للإجابة عن الأسئلة التي تكشف تفاصيل الأزمة وأبعادها وإلى أي مدى يمكن أن تصل




لماذا يرِد ذكر فنزويلا في الأخبار في الوقت الراهن؟

ثمة أسباب ثلاثة مباشرة لذلك، جميعها ترتبط بالأزمة السياسية التي تتراكم في البلاد منذ سنوات.

السبب الأول هو التظاهرات التي عمَّت أرجاء البلاد ضد الحكومة يوم الأربعاء 23 يناير/كانون الثاني. وكانت هذه التظاهرات أولى تظاهرات واسعة النطاق، منذ القمع الدامي الذي ردَّ به الرئيس نيكولاس مادورو على الموجة الأخيرة من التظاهرات الكبرى عام 2017.

أما السبب الثاني فهو أنّ المشرِّع الفنزويلي المعارض خوان غواديو أعلن أنّ الحكومة الحالية غير شرعية، وأعلن استعداده تزعّم حكومة تصريف أعمال. ولا يمكن لتصريح غواديو منفرداً أنّ يحدث أي تغيير حقيقي، غير أنّه زاد من التكهنات بأنّ الجيش يمكن أن يطيح بالحكومة.

السبب الثالث هو أنّ الولايات المتحدة وحكومات غربية عديدة أعلنت أنّها تعتبر غوايدو الزعيم الشرعي للبلاد في فنزويلا.

لماذا تشهد فنزويلا أزمة؟

ترى صحيفة نيويورك تايمز أن الحكومة الفنزويلية أوشكت على تدمير ديمقراطية البلاد واقتصادها، ووصل الغضب الشعبي إلى ذروته.

كانت فنزويلا فيما سبق أغنى دول أمريكا اللاتينية وإحدى أعرق الديمقراطيات فيها.

كانت فنزويلا أغنى دولة في أمريكا اللاتينية وواحدة من أطول ديمقراطياتها/ نيويورك تايمز

أما اليوم، فهي دولة شبه فاشلة. وغرق جزءٌ كبيرٌ من البلاد في فقر مدقع بسبب التضخم المستمر، وعمَّ البلاد نقص في الغذاء والدواء، والنظام العام آخذٌ في التهاوي مع تصاعد معدلات الجريمة. وفرَّ من البلاد أكثر من ثلاثة ملايين فنزويلي، وبات العديد منهم لاجئين.

ويتجاوز الغضب الشعبي الفساد وسوء الإدارة للاقتصاد؛ إذ تُحكم الحكومة قبضتها بعنف على السلطة، وتعمل على تقويض المؤسسات الديمقراطية، ليصبح الشعب الفنزويلي دون مساحة جادة لمعارضة الحكومة أو تغييرها. لذا، لجأ العديد منهم إلى الشوارع في محاولة لإحداث التغيير بالقوّة.

لماذا بلغ السيل الزبى الآن؟

السبب المباشر في الوقت الراهن هو مراسم تنصيب الرئيس نيكولاس مادورو التي جرت خلال الشهر الحالي (يناير/كانون الثاني 2010)، بعد فوزه بدورة رئاسية ثانية في مايو/أيار 2018، بانتخابات اعتُبرت مزوّرة داخل فنزويلا وخارجها.

ومنذ ذلك التصويت، وصف العديد من رموز المعارضة والحكومات الأجنبية، بينها العديد من حكومات أمريكا اللاتينية، حكم الرئيس مادورو بأنّه غير شرعي. خرجت التظاهرات إلى الشوارع بعد تنصيب مادورو لإرسال الرسالة ذاتها؛ أملاً في الضغط عليه للتنحي.

ولكن هذه كانت، من عدة أوجه، الخطوة الأخيرة في أزمة كانت تتخذ زخماً وسوءاً على مر السنين.

كيف وصلت الأمور في فنزويلا إلى هذا الحد من السوء؟

بدأت الأمور تسوء بعد فترة وجيزة من قيادة الزعيم الشعبوي اليساري هوغو تشافيز انقلاباً عسكرياً فاشلاً عام 1992، ليعكس السخط الشعبي على المؤسسة السياسية. فاز الرئيس تشافيز بالرئاسة في انتخابات 1998.

في البدء طبق تشافيز تغييرات شعبية، لمحاربة الفساد والفقر. وفي حين لم يكن تشافيز مخطئاً في نظرته إلى مؤسستي السياسة والاقتصاد باعتبارهما مشوبتين بالمحسوبية والرشوة، فقد عمل على إصلاحهما بمراسيم سياسية رسخت لسلطته

يبحث المتسوقون عن الطعام في متجر للبقالة في فنزويلا/ نيويورك تايمز

تصاعدت الأمور عام 2002، حين أدت حالة من التراجع الاقتصادي إلى اندلاع تظاهرات مناهضة للحكومة. وبعد اندلاع العنف، احتجز الجيش تشافيز ونصّب رئيساً انتقالياً. غير أنّ القوات الموالية لتشافيز سرعان ما استعادت النظام وتراجع زعماء الانقلاب، وعاد تشافيز إلى السلطة وهو عازمٌ على استئصال شأفة من كان يراهم أعداء من الداخل.

ومنذ ذلك الحين، وحتى وفاة تشافيز عام 2013، شنّ حرباً على المؤسسات الفنزويلية والمجتمع المدني، على نحو ابتلع الديمقراطية في البلاد. ولجأ إلى المحسوبية والعطايا، لاستبقاء دعم مؤيديه وحلفائه الرئيسيين، مثل الجيش.

تسلّم مادورو، الذي كان نائباً لتشافيز، زمام الأمور بعد موت الأخير. وقد كان زعيماً ضعيفاً، لذا زاد من الاعتماد على العطايا في وقت لم تكن الحكومة فيه تمتلك المال بالقدر نفسه الذي كانت عليه أيام تشافيز.

ولم يجد مادورو بداً من طباعة مزيد من المال، بما أدى إلى التضخم وزيادة أسعار السلع الأساسية على نحو لم تعد معه في متناول المواطنين، وهو ما أدى بدوره إلى فرض ضوابط على الأسعار وتثبيت سعر صرف العملات. كما أدى إلى نقص في السلع وجعل استيراد العديد منها باهظ التكلفة على نحو يستحيل معه الاستيراد. أغلقت الشركات أبوابها؛ وأصبح الغذاء والدواء شحيحين.

ألقت هذه الدورة بالعديد من الفنزويليين في براثن الفقر. وتحول العديد من عناصر الشرطة والجيش الذين كانوا يكابدون لإطعام أطفالهم إلى الاتجار في السوق السوداء، وسيطرت العصابات على شوارع المدن، وتصاعدت معدلات القتل لتصبح واحدةً من أعلى معدلات القتل في العالم.

هل يمكن أن نلقي باللائمة على الأزمة في فنزويلا على الاشتراكية أو الإمبريالية الغربية أو كليهما؟

هذا نهج يشيع اتباعه من جانب العديد من الأمريكيين (وكذلك المكسيكيين والبرازيليين وغيرهم من شعوب أمريكا اللاتينية)، الذين يصورون تفجّر الأوضاع في فنزويلا باعتباره دليلاً على أنّ خصومهم السياسيين في الداخل يشكلون تهديداً خطِراً.

مواطنون في فانزويلا تبحث عن الطعام في أكياس القمامة في وسط مدينة كراكاس/ نيويورك تايمز

لا شك في أن تشافيز كان يسارياً مخلصاً، أنفق بسخاء على البرامج الاجتماعية وأمَّم جزءاً كبيراً من اقتصاد البلاد، بما أفضى إلى دخول بلاده في أزمات. وصحيح أيضاً أن الولايات المتحدة عارضت حكمه، وسعت إلى منع امتداد تأثيره إلى دول أمريكا اللاتينية، وهي سياسة نظر إليها الكثيرون في المنطقة باعتبارها امتداداً لعقود التدخل الإمبريالي.

غير أنّ معظم الخبراء في الشأن الفنزويلي أو في انتكاسات الديمقراطيات يرفضون تلك التفسيرات. ويرون أن الأزمة الفنزويلية انبثقت عن عوامل يمكن أن تحدث في أي ديمقراطية، وتزداد سوءاً في الديمقراطيات حول العالم: ألا وهي الاستقطاب السياسي، وفقدان الثقة بمؤسسات الدول، والرغبة في تنصيب زعيم قويّ لفرض النظام.

ويركز الخبراء، بشكل خاص، على معاداة تشافيز مؤسسات الدولة وميله إلى تأسيس حكم الرجل القوي؛ وهو أمرٌ لا يتعلق بزعماء اليمين أو اليسار بشكل خاص. ويمكنك الاطلاع هنا على ما كتبناه حول أسباب تحويل القادة الشعبويين من أمثال تشافيز، أياً ما كانت نواياهم أو أيديولوجيتهم، الديمقراطيات إلى الصبغة الشمولية.

هل اعتراف الولايات المتحدة بالنائب المعارض زعيماً  لفنزويلا سيمنحه الشرعية؟

ربما، ولكن ليس بدرجة كبيرة.

ثمة أبحاث تشير إلى أنَّ الحكومة تصبح أكثر عرضة للسقوط إذا كان الشعب ينظر إلى الزعيم باعتباره فاقداً للشرعية الدولية. ويمكن أن يفتح اعتراف واشنطن بغواديو، زعيم المعارضة، كرئيس شرعي للبلاد، الباب أمام الأخير لاستخدام بعض الأصول الفنزويلية المجمدة في واشنطن.

تظاهرة للمعارضة في فنزويلا/ رويترز

وقد كان من الواضح قبل هذه الخطوة أن إدارة ترامب تعارض مادورو وترغب في خلعه، لذا فإنّ اعترافها بغواديو ليس تحولاً كبيراً. الأمر ذاته ينطبق على دول أمريكا اللاتينية الأخرى التي اعترفت بغواديو.

ورغم إشارة بعض المسؤولين الأمريكيين إلى استعدادهم لقبول استخدام القوة العسكرية لإزاحة مادورو، لا يبدو أن هذه الأقوال ستتحول إلى أفعال. إذ سيستغرق تدخلٌ كهذا شهوراً لتنفيذه، ولا يحظى بدعم حقيقي داخل الجيش الأمريكي، أو لدى جمهور الناخبين أو في الكونغرس. بل إنّه من غير الواضح ما ينبغي على العمل العسكري تحقيقه أو كيف يمكنه تحقيقه، وسيكون له بلا شك أصداء عكسية واسعة على الساحة الدولية وداخل فنزويلا.

ماذا بعد؟

توجد مجموعتان من العوامل التي يمكن أن تجبر مادورو على التنحّي.

الأولى تشمل أعضاء داخل حكومة مادورو نفسها، رغم أنّ الأزمة تصاعدت لدرجة يخشى معها العديد منهم السجن أو ما هو أسوأ في حال فقدوا السلطة. كما أنّ انضمامهم إلى الشعب يعني فقدان العطايا، والوقوف في نفس طوابير الخبز التي يقف فيها عامة الشعب.

أما الثانية فستكون أعضاء من الجيش الفنزويلي، الذي كان مادورو من الحصافة بما يكفي لئلا يأمره بقمع المتظاهرين. تحرك بعض الضباط من الرتبة الأدنى ضد مادورو، غير أنّ سائر الجيش ظلَّ على ولائه. والسبب في ذلك هو أنّ الجيش يستفيد استفادات ضخمة من الوضع الراهن؛ إذ سمح لهم مادورو بالسيطرة على السوق السوداء وبالاتجار في بعض الموارد الطبيعية.

وإذا لم تتدخل أي من الفئتين لإزاحة مادورو، ورفض هو التنحي من تلقاء نفسه، فسيكون من الصعب جداً التكهن بما سيحدث. ولم ترد سوابق مشابهة للحالة الفنزويلية في التاريخ إلا قليلاً.

فمن جانب، ومع خروج الأمور عن السيطرة، بات من شبه المستحيل أن يستمر الوضع الراهن على ما هو عليه. ومن جانب آخر، فإن الأمر نفسه كان ينطبق على الحالة الفنزويلية قبل عام أو اثنين أو ربما ثلاث سنوات، ومع ذلك لا يزال يواصل تدهوره الثابت المأساوي.