//Put this in the section

دولة لبنان الفاشلة!

الأب صلاح أبوجوده اليسوعي – النهار

“نريد يقظة وطنيّة موحّدة ننطلق منها وبها لحماية الجمهوريّة”




البطريرك الراعي (“النهار”، 16/1/2019)

بالاستناد إلى تعريف “الموسوعة البريطانيّة”، يُعدّ لبنان دولةً فاشلة، وإن لم يبلغ بعدُ أدنى دركات الفشل. ويبدو أنّ الاعتراف بهذا الواقع ضروريّ، لأنّه، من جهة، يبدّد الأوهام التي يُثيرها عمدًا الترويج لقدرة المسؤولين السياسيّين الحاليّين على النهوض بأوضاع البلاد؛ ومن جهة ثانية، يمهّد ليقظة وطنيّة تؤسّس لإمكانيّة بحثٍ عن حلولٍ للأزمات السياسيّة المتلاحقة خارج أطر البحث المألوفة وحلولها التي أظهرت عقمها. وقبل التوقّف على علامات الدولة الفاشلة، يُشار إلى أنّ هذا الاعتراف الواقعيّ والمرير يرتبط بالتنبّه لثلاثة ظنون متداخلة بعضها في بعض يجب التحرّر منها، وهي ظنون لعلّها تحوّلت عند الكثير من اللبنانيّين إلى قناعات، ولا شكّ في أنّها تخدم الأوهام المشار إليها بطريقة أو بأخرى: أوّلاً، الظنّ بأنّ النظام الطائفيّ هو الأفضل للبنانيّين ويخدم مصالحهم ويؤمّن ازدهارهم، شرط تحييد لبنان عن الأزمات الخارجيّة واحترام التوازن الطائفيّ في مختلف مؤسّسات الدولة، وفقًا لروح الميثاق الوطنيّ؛ وثانيًا، الظنّ بأنّ هذا النظام غير قابل للتغيير إلاّ في إطار إعادة إنتاج نفسه بصيغ معدّلة، بسبب شدّة تأصّل الذهنيّة المذهبيّة – الطائفيّة عند اللبنانيّين، وموقع لبنان الجغرافيّ في منطقة مفطورة على صراع الأديان ومذاهبها؛ وثالثًا، الظنّ بأنّ المرجعيّات السياسيّة المذهبيّة – الطائفيّة الأقوى ضمانة لحقوق أتباع مذاهبها وطوائفها، بل واستمرارهم.

وبالعودة إلى موضوع الدولة الفاشلة، فإنّ ما يميّزها عجزها عن بسط سلطتها على كامل أراضيها وعن حماية حدودها، وعدم احتكارها استخدام القوّة، وعدم قدرتها على الاضطلاع بوظائفها الأساسيّة في حقول النظام العامّ والأمن والعدالة والموارد والاقتصاد والبُنى التحتيّة، وعدم استطاعتها تلبية قسم كبير من حاجات سكّانها، واقتصار عملها على تأمين الحدّ الأدنى من الخدمات العامّة، وتسديد ديونها على نحوٍ يحول دون انهيارها انهيارًا كاملاً. فضلاً عن ذلك، من صفات الدولة الفاشلة عجزها عن صون الحريّات المدنيّة وحقوق الإنسان، وفشلها في مواجهة مشاكلها الداخليّة على أنواعها. أمّا النتائج فأولاها ازدياد هجرة السكّان بسبب ارتفاع نسبة الفقر والبطالة، وتكاثر الجريمة المنظّمة والإرهاب، وفي حال اشتداد تفاقم الأوضاع، قد تندلع حرب أهليّة.

وفي المقابل، تتمكّن بعض الدول الفاشلة من تأمين استمراريّتها بالحدّ الأدنى المطلوب، إمّا بفضل المساعدات الخارجيّة التي تتسلّمها والتي تُلحقها في أكثر الأحيان بمصالح الدول المانحة؛ وإمّا من خلال تعميم الفساد على أنواعه، وتبييض الأموال، وتسهيل التجارات غير المشروعة؛ وإمّا من خلال الأمرَين معًا. ومن الواضح أنّ هذه الحالة الفوضويّة تلائم الذين يشغلون المراكز الرئيسيّة في الدولة، إذ تكوّن فرصةً لهم ليغتنوا ماديًّا هم وحاشيتهم.

وإذا نظرنا إلى لبنان حاليًّا في ضوء تعريف الدولة الفاشلة هذا، نجد أنّ الكثير من مضامين هذا التعريف تنطبق على أوضاع البلاد بدرجات مختلفة. لبنان إذًا دولة فاشلة. ولكن ما هي المخارج؟

لا بدّ من التسليم بأنّ كلّ الحلول التي يُفكّر فيها أو يُخطّط لها في إطار الظنون الثلاثة المذكورة سابقًا، محكوم عليها بالفشل. وتكفي مراجعة المشهد السياسيّ اللبنانيّ وأزماته المتتالية منذ ما بعد نهاية الوصاية السوريّة إلى اليوم، للتثبّت من صحّة هذا الأمر. فغياب رؤية وطنيّة عند الممسكين بالقرار الداخليّ تنطلق من ضرورة تجاوز النظام الطائفيّ تدريجيًّا نظرًا إلى عدم كفايته لتطوير البلاد، بل، ويا للأسف، بسبب دفاع هؤلاء عن هذا النظام وإهمالهم إيّاه في آن واحد، وانتهاجهم سياسة مذهبيّة – طائفيّة متشدّدة، حوّلت النظام تصاعديًّا إلى حلبة صراع مستمرّ على السلطة والمكاسب الضيّقة، لا وسيلة خدمة خير المواطنين. فضلاً عن أنّ الأزمات السياسيّة التي نشبت وتنشب لأسباب داخليّة فئويّة وشخصيّة، رُبطَت وتُربط سريعًا بعوامل خارجيّة وأزمات المنطقة وأطرافها، بدءًا بسوريا ومرورًا بالمملكة العربيّة السعوديّة وإيران، وانتهاءً بروسيا والولايات المتّحدة الأميركيّة. ولا عجب بالتالي أن تأتي حلول تلك الأزمات الداخليّة من طريق راعٍ أو رعاة خارجيّين، يستدرجهم الأفرقاء المحليّون أو يسهّلون تدخّلهم. ويُرافق ربط الأزمات بالخارج، مساعٍ محليّة تجري بكاملها خارج إطار المؤسّسات والقوانين، وأحيانًا تُستخدم فيها أساليب الضغط النفسيّ والاقتصاديّ، بل وأحيانًا الميليشيويّ. ولا عجب، في ظلّ مثل هذه السياسات، أن تبقى البلاد غائصة على الفساد والديون والفوضى.

لا يمكن البلاد أن تجد سبيل الخلاص إلاّ من خلال سياسة وطنيّة واعية تخطِّط للخروج تدريجيًّا من الحالة الطائفيّة، وتبدأ بترسيخ مفهوم الدستور والقوانين في العمل السياسيّ. ولكن كيف السبيل إلى ذلك، والسياسيّون أغلقوا العمل السياسيّ على مصالحهم الشخصيّة والفئويّة، وكرّسوا الخوف الدائم – المبطّن حينًا والعلنيّ حينًا آخر- من “شركائهم” في الوطن و”إخوتهم” في الطائفة والمذهب؟ وحتّى المرجعيّات الوطنيّة التي تتميّز بحرص صادق على ديمومة الوطن وخير جميع المواطنين، تبقى أسيرة الظنون الثلاثة في كلّ مساعيها.

يمكن هذه المرجعيّات، ومنظّمات المجتمع المدنيّ، والفعّاليّات الفكريّة الديموقراطيّة أن تلجأ دومًا إلى تقييم مناهجها ونقدها في ضوء نتائج جهودها ومسار الحياة السياسيّة منذ استقلال لبنان، وتصوّب خطابها وجهودها تبعًا لبرامج وطنيّة جريئة تؤدّي إلى التحرّر من الطائفيّة. ولكن يمكنها أيضًا أن تتحرّك باتّجاه المجتمع الدوليّ، وبوجه خاصّ الأمم المتّحدة والمنظّمات الدوليّة والمنظّمات غير الحكوميّة انطلاقًا من كون لبنان، وبكلّ تواضع، دولة فاشلة.

وفي الواقع، لا يزال النقاشُ دائرًا في تلك المؤسّسات الدوليّة على دورها وواجباتها تجاه الدول الفاشلة. فبالرغم من أنّ النظام القانونيّ العالميّ قد تأسَّس على مبدأ سيادة الدولة، ثمّة عامل أخلاقيّ يتدخّل بشدّة ليضع مبدأ السيادة موضع تساؤل، لا سيّما عندما تصبح الدولة غير مؤهّلة لإدارة شؤونها، ويتحوّل المسؤولون فيها إلى تجّار هيكل، وتُستباح أرضها للقوى الخارجيّة، وتصبح أوضاع مواطنيها مذرية، ومصيرهم في مهبّ الريح. وفي أساس هذا العامل الأخلاقيّ تطوّر مفهوم كرامة الإنسان الذي يدخل بتزايد وقوّة في الأذهان، ويضيء على واجب التضامن العالميّ ودوره في توفير استقرار الدول الفاشلة وتطوّرها ومحاسبة المسؤولين فيها. ولا شكّ في أنّ هذا النقاش يختلف عن المعالجات الدوليّة المألوفة لغاية الآن التي تتمحور على تقديم جرعات دعمٍ تسمح للدولة الفاشلة بالاستمرار على قيد الحياة أو، في أفضل الأحوال، تحسين بعض نواحي حياتها الاقتصاديّة والماليّة والتنمويّة والبيئيّة والسياسيّة والأمنيّة، ضمن مبدأ احترام سيادتها. على أنّ هذه المعالجات المألوفة التي تقف عند حدود “ترميم” الدولة الفاشلة، تؤدّي في الكثير من الأحيان على المدى البعيد إلى مساوئ أكثر منه إلى محاسن، والسبب هو أنّ الدول الفاشلة عمومًا لم تكن في السابق ناجحة، إذ تفتقر إلى مقوّمات التطوّر الذاتيّ. ألا يمكن المرجعيّات الوطنيّة المحليّة والإنتلجنسيا اللبنانيّة أن تشارك بفعاليّة وبطريقة منظّمة في هذا النقاش العالميّ، وتطرح تصوّراتها لطريقة مساعدة المجتمع الدوليّ لبنان لينهض من بؤسه؟