رئيس على وطن محطم.. رغم سيطرة الأسد على أغلب البلاد، لكن ما ينتظر السوريون أسوأ!

٨ سنوات مرت على المعارك التي لا تقف رحاها في سوريا، والتي خلفت أكثر من نصف مليون قتيل وأضعاف هذا العدد من اللاجئين والنازحين، حتى صارت الأوضاع الأمنية أهدأ من ذي قبل، لكن المعركة لم تنته بعد.

فمعركة النظام السوري الجديدة هي مع توفير الحياة الكريمة للذين وقفوا بجواره ودعموه، وكذلك التخلص من التبعية التي فرضتها إيران وروسيا عليه بعد تمكنه من السيطرة على أغلب البلاد عدا منطقة إدلب شمال البلاد والتي مازالت في يد الفصائل المسلحة.




ثمة أزمة أخرى لا يعي لها النظام السوري أو ربما لا يريد أن ينتبه لها، وهي القواعد الأجنبية التي باتت في كل شبر تقريباً في البلاد فيما يزعم النظام السوري أن البلاد قد عادت بالكامل إليه بعدما صارت البلاد محطمة بالكامل.

ولعل ما يكشف الصورة الحقيقية لهذا الانتصار المزعوم تلك المشاهد التي تغزو وسائل الإعلام عن المحافظات التي خضعت لسيطرة قوات النظام السوري في حلب ودمشق، وحتى في الغوطة الشرقية الأراضي الزراعية المزدهرة التي كانت قبل عام في يد معارضيه باتت خراباً وأرضاً بوراً.

وقبل أسبوع وحينما نزل فريق النظام السوري أو فريق «البراميل المتفجرة» كما يلقبه معارضون، إلى أرض الملعب لخوض مباراةٍ قارية الأسبوع الماضي، احتشدت آلاف الجماهير في ميدان دمشق المركزي لمشاهدة المباراة على شاشةٍ كبيرة، وعبأت الهواء البارد بالهتافات «سوريا! سوريا!»، ولوّح البعض بأعلامٍ عليها وجه بشار الأسد، في حين حملت فتاتان لوحة ثقيلة للزعيم السوري.

أضفت اللعبة مظهراً من مظاهر الحياة الطبيعية على البلاد التي تحاول الوقوف على قدميها وكان الجمهور يشجع فريقاً وطنياً مؤيداً بشدة للأسد، الذي يبدو أنَّه خرج منتصراً من الصراع، لكن الأمر غير ذلك.

وطن محطَّم

وبحسب تقرير لصحيفة Financial Times البريطانية لقد كلَّف فوز الأسد تكاليفَ باهظة، وأصبح يتزعم وطناً محطماً ومتشرذماً. ومع ذلك لا تزال دمشق عرضةً للهجوم. إذ سُمع دوي انفجارٍ في جنوب العاصمة يوم الأحد 20 يناير/كانون الثاني. ولا تزال التفاصيل غامضة، لكنَّ المرصد السوري لحقوق الإنسان، وهو مجموعة مراقبة مقرها لندن، أبلغ عن حدوث انفجارٍ وإطلاق نيران بالقرب من منشأة استخبارات عسكرية. وقالت وسائل الإعلام السورية إنَّه كان هجوماً إرهابياً لم يُسفر عن أي ضحايا.

استعاد النظام السوري الاستبدادي السيطرة على معظم المناطق التي كانت خاضعةً لسيطرة قوات المعارضة، والفضل يعود إلى التدخل العسكري من حليفتيه إيران وروسيا. وانتشرت اللوحات التي كُتِب عليها «مبارك الانتصار»، وصورت الأسد مرتدياً الزي العسكري ويقف عند نقاط التفتيش العسكرية، لكنَّ البريق الذي يشع من اللوحات يتناقض مع مظهر المدينة المتهالكة.

قبلت الدول العربية بقاء الأسد في السلطة، بل وشرعت بشكلٍ مؤقت في التعامل مع نظامه مرةً أخرى بعد دعمها للمعارضين الذي سعوا إلى إنهاء نفوذ عائلته، الذي استمر على مدى نصف قرن تقريباً. وتتمثل أولوية بعض البلاد في الانخراط مع سوريا لمواجهة النفوذ المتنامي للعدو الإقليمي إيران، التي استغلت بدورها الصراع لمد جذور نفوذها إلى المناطق الواقعة على حدودها. وبالنسبة للآخرين تتمثل الأولوية في إعادة فتح طرق التجارة لتخفيف الضغوط الاقتصادية المحلية.

ومؤخراً، أعادت الإمارات المتحدة فتح سفارتها في دمشق، وتبعتها في ذلك البحرين بوقتٍ قصير. وسافر رئيس السودان عمر البشير في أول زيارةٍ رسمية لرئيس دولةٍ عضو في جامعة الدول العربية إلى سوريا في ديسمبر/كانون الأول. ويدفع العراق ولبنان باتجاه إعادة سوريا إلى الجامعة، إذ طُردت عام 2011 إثر هجوم قوات النظام على المتظاهرين. وافتتح الأردن معبراً حدودياً مع سوريا العام الماضي 2018.

وقال دبلوماسي عربي: «الأمر يتعلق بسيطرة البراغماتية. طرد سوريا من جامعة الدول العربية كان خطأً كبيراً.. لقد دفعنا الأمر إلى أن نتفرج مكتوفي الأيدي. واليوم، كل الآليات الدبلوماسية في سوريا لا تنطوي على أي عنصرٍ عربي».

السوريون لا يرون هذا الانتصار!

وبحسب الصحيفة البريطانية لا ينظر مؤيدو الأسد إلى الانتصار العسكري باعتباره نصراً شاملاً. إذ قال أبو مصطفى (57 عاماً)، وهو شريك في محل لبيع مولدات الكهرباء في أحد شوارع دمشق التي ضربتها قذائف الهاون أربع مرات من قبل: «الحمد لله على النصر، لكنَّ العمل ليس على ما يرام بتاتاً». مع أنَّ سكان دمشق يعانون انقطاع التيار الكهربائي المتكرر بسبب نقص الكهرباء، لكنَّه يقول إنَّ القليل منهم يملك المال لشراء المولدات. وفي ما يتعلق بنشاطه التجاري، فإنَّه يمر «بأسوأ حالاته الآن» حسب قوله. لذا يرسل إليه أبناؤه المقيمون في تركيا ما يمكن أن يدخروه من المال.

وبالعودة إلى ملعب كرة القدم، انتزع الفريق المنافس أستراليا النصر من سوريا في الدقيقة الأخيرة، ونزلت الجماهير المكلومة إلى الشوارع المظلمة. سيعود الكثير من هؤلاء إلى ديارهم الباردة بسبب نقص الغاز. وفي دمشق، يخوض السكان الذين دانوا بالولاء للأسد معارك جديدة: اقتصاد منهك، وعملة متدنية القيمة ترفع كلفة المعيشة. ويقول الكثير من الدمشقيين إنَّهم صاروا أفقر من أي وقتٍ مضى، كما تقول الصحيفة البريطانية.

وقالت ريما القادري، وزيرة الشؤون الاجتماعية والعمل، لصحيفة Financial Times: «في الواقع، لن يتم النصر في سوريا أبداً حتى نحقق النصر على الصعيد (العسكري والاجتماعي والاقتصادي). ولا يسعنا القول إنَّنا قد انتصرنا قبل أن نشهد مؤشراتٍ على أنَّ الاقتصاد السوري آخذٌ في التطور من جديد».

فر ما يقرب من 6 ملايين سوري، لكن هناك مخاوف من تجنيد الرجال فوق الثامنة عشرة في الجيش تردع اللاجئين عن العودة. وقد دُمرت ثلث المنازل، وفقاً لتقديرات البنك الدولي، ومن المتوقع أن تفوق تكلفة إعادة البناء مئتي مليار دولار. وحتى الآن لم تتضح بعد الجهة التي ستتحمل التكلفة. ترغب روسيا في أن تتكبدها أوروبا، لكنَّ الاتحاد الأوروبي يصر على أنَّه لن يتعامل مع دمشق سوى بعد الاتفاق على تسويةٍ سياسية.

الغوطة المزدهرة باتت ركاماً

على مسافة أقل من 15 دقيقة من دمشق في الغوطة الشرقية، توجد منطقة كانت ذات يوم منطقة زراعية مزدهرة استعادها نظام الأسد من أيدي المعارضة العام الماضي 2018، مما ردع التهديد الأمني لدمشق. تحولت الأحياء برمتها في الغوطة إلى ركام، أما المباني الصامدة فقد جردتها تماماً عمليات النهب والسلب من محتوياتها. فُتحت الأسواق الآن، لكنَّ عودة الخدمات للدولة تسير بوتيرة أبطأ. وصار الوجود العسكري واضحاً في الكثير من المناطق، ولم تعد بعد خدمات المياه أو جمع القمامة.

وتساءل مواطنٌ يدعى إمام خالد: «أيمكن أن تجعلوا النظام يجلب لنا الغاز؟». يبلغ خالد من العمر 70 عاماً، ويضطر إلى الوقوف في الصف في انتظار شراء الغاز من بائع خاص بأكثر من ضعف السعر المدعم من الحكومة. يلقي النظام باللوم في نقص الوقود وخنق التعافي الاقتصادي على تشديد العقوبات الغربية.

ما زالت هناك أجزاء في شمال سوريا خارج سيطرة الأسد. أما عن آخر معقل للمعارضة في مقاطعة إدلب الشمالية، فلا يزال خاضعاً لسيطرة قوات إسلامية متشددة، وبه حوالي 3 ملايين مدني. وتسيطر قوات سوريا الديمقراطية بقيادة الميليشيات الكردية المدعومة من الولايات المتحدة على الجزء الشمالي الشرقي. وتركيا المجاورة هي عدوهم الأساسي، وقد سعوا للحصول على حماية دمشق في الماضي. وقد جعلهم قرار ترامب المفاجئ بسحب القوات الأمريكية يشعرون بأنَّهم أصبحوا أكثر عرضةً للخطر.

حتى كرة القدم تكشف عن الانقسامات المتأصلة في سوريا. فعلى شبكات التواصل الاجتماعي، هنأ نشطاء من المعارضة خارج العاصمة أستراليا على الفوز. وناشد الكثيرون بمقاطعة دعم اللاعبين السوريين، الذين أطلقوا عليهم «فريق البراميل المتفجرة»، نسبة إلى السلاح المفضل للنظام السوري. وكتب أحد النشطاء السوريين المنفيين: «ارحلوا، يا جبناء الأسد».