//Put this in the section

قمة بيروت: العرب تخلّوا عنها ولبنان مسؤول

سابين عويس – النهار

لم يكن إحراق عناصر من حركة “امل” العلم الليبي اعتراضا على دعوة ليبيا الى حضور القمة التنموية الاقتصادية، إلا غيضا من فيض المواقف والممارسات التي أسهمت في ضرب القمة وأفرغتها من قيمتها ومن رمزية انعقادها في العاصمة اللبنانية، ومن أي حظوظ متاحة أمام البلاد للإفادة من هذا الملتقى العربي.




فالقمة، رغم طابعها الاقتصادي والتنموي الذي حرصت الجامعة العربية على أن تخصص له محطة توازي بأهميتها القمة العربية في بعدها السياسي، تنعقد في دورتها الرابعة في بيروت بعد ثلاث قمم سابقة انعقدت الاولى في الكويت (2009) ثم في شرم الشيخ (2011) فالرياض (2013)، تحت وطأة ظروف ومعطيات سياسية متسارعة في المنطقة، عنوانها الابرز سوريا وصراع المحاور، معطوفا على ظروف لبنانية استثنائية فرضها التشنج السياسي المحتدم في ظل تعطل تشكيل حكومة جديدة.

لم تكن نصيحة رئيس المجلس نبيه بري لرئيس الجمهورية قبل نحو اسبوع بتأجيل القمة نتيجة هزالة التمثيل وغياب سوريا كافية لدفع الرئيس الى البحث مع الجامعة العربية في حظوظ نجاحها. ذهب بري أبعد عندما تغاضى عن حرق أتباعه العلم الليبي، بما شكل رسالة واضحة للفريق الذي يمثله رئيس المجلس حيال القمة. هو موقف تلقفه القادة العرب الذين ذهبوا أبعد من خلال اعتذارهم عن عدم الحضور والمشاركة في رسالة أكثر وضوحا للقيادات اللبنانية تركز على أمرين: لا استعجال لعودة سوريا الى الجامعة، وبالتالي لا مبرر للهث الداخلي الحاصل وراء دعوتها الى المشاركة ومزايدة القوى المحلية في التسابق على تقديم استدراج عروض لدمشق، منها ما هو تحت عنوان استعادة النفوذ السوري، ومنها ما هو تحت عنوان اعادة اعمار سوريا.

اما الامر الثاني فيندرج تحت عنوان رفض انصياع لبنان لمحور النفوذ الايراني وادواته في الداخل، ودفع قياداته الى حسم خياراتها في هذا الشأن، خصوصا بعدما خرج لبنان في أكثر من مناسبة عن سياسة النأي بالنفس التي كان لها ان تحصنه حيال صراع المحاور القائم في المنطقة، فيما ذهب “حزب الله” الذراع الاقوى لايران بعيدا في تمدده وانخراطه في دول المنطقة، واضعا لبنان في مرتبة الفريق او الطرف، ومخرجا اياه من محيطه العربي الطبيعي.

وما توالي اعتذار القادة العرب، بعد تأكيدهم حضورهم قبل اسبوع تقريبا، إلا رد مباشر على الخيار السياسي الذي أبرزته مواقف العهد من خلال مواقف وزير الخارجية من جهة والحلفاء التقليدين لطهران وسوريا من جهة اخرى. كما هو رد على فشل العهد، الذي رفع سقف الآمال المعقودة على القمة وعلى الاقبال العربي الرفيع المستوى على حضورها، في توفير حاضنة عربية داعمة له.

أما في البعد العربي، فليس الغياب القيادي عن القمة إلا تأكيد لعدم اندفاعهم الى المجيء الى بيروت تحت عنوان قمة تنموية لا تحمل في طياتها الا كل الخلافات السياسية المستفحلة على الجبهة العربية. فأي كلام سينطق به القادة في الجانب التنموي والاقتصادي الذي تحتاج اليه الدول العربية؟ واي توصيات سيخرجون بها، في ظل التشتت او التشرذم العربي الواضح، والفشل في اخراج التوصيات الى نور التنفيذ؟.

لا شك في أن لبنان الذي يستضيف القمة، وقد جهد في تأمين كل مستلزمات نجاحها اللوجستية، قد غاب عنه ان اولوية النجاح تكمن في مكان آخر، وليس في حسن التنظيم فحسب.

وقد أخطأت قياداته عندما فشلت في ان تجعل من القمة قاسما مشتركا يجمعها على تقديم الصورة الافضل للبنان، الصورة التي بدأت تغيب كليا عن الشاشات العربية وعن أذهان قياداتها، فأقحمت القمة في حروبها الداخلية وحسابات زواريبها الضيقة، فاتحة المجال امام تحميلها مسؤولية التعثر والفشل، فيما المسؤولية في الاساس مشتركة بين الداخل والعالم العربي الغائب عن تحمل مسؤوليته تجاه الدول الاشقاء الاكثر ضعفا وهشاشة او حتى تجاه مواجهة التحديات المختلفة في السياسة والامن والاقتصاد والتنمية.

ليس في اعتذارات قادة الدول ما يقدم تبريرا لأسبابها، وهل هي بخلفية حسابات عربية، او بدفع خارجي، ولكن أيا تكن تلك التبريرات، فهي لا تخرج عن ترجمة الواقع المرير الذي سيخرج منه لبنان بعد القمة. فهو، الى حال العزل الذي تعرضت له رئاسته، يمضي نحو مزيد من الفراغ الناجم عن استمرار تعطل تأليف حكومته.

لم يعد السؤال اليوم عن الحكومة ومعد تأليفها، بعدما سقطت كل المواعيد المضروبة، بل السؤال الاجدى عن البلاد ومصيرها المعلق على تسويات لم تنضج ظروفها بعد.