//Vbout Tracking Code

المستشفيات الحكومية: تعثر وفوضى كاملة في التوزيع

سلوى بعلبكي – النهار

في لبنان نحو 28 مستشفى حكوميا تم تأسيسها في مراحل عدة، إلا أن المشكلة ليست في عدد المستشفيات، بل في العشوائية التي تحكم بناءها، إذ يمكن ان تجد في منطقة واحدة 4 مستشفيات في حين ان مناطق اخرى تفتقر الى واحد. حاليا يتم انشاء مستشفى في جب جنين، في منطقة يوجد فيها 3 مستشفيات حكومية لا تبعد الواحدة عن الاخرى أكثر من ربع ساعة (مشغرة، وخربة قنافار، وراشيا)، بما يستدعي السؤال عن الآلية التي يتم اتباعها لتشييد المستشفيات الحكومية، وما اذا كان ثمة خريطة استشفائية أو صحية يتم الاعتماد عليها لبنائها، ومن يمولها؟.




لا ينفي وزير الصحة العامة غسان حاصباني بأن ثمة خللاً في هذا الموضوع، ولكن الوزارة في صدد معالجته، خصوصا أن الخطط لبناء المستشفيات تتم بشكل مرتجل من دون أي دراسة.

الشائع في لبنان أن كل منطقة تسعى الى اقامة مستشفى لها، ولكن برأي حاصباني “بناء المستشفيات ليس بالضرورة الحل السليم للقطاع الاستشفائي، فإذا احصينا عدد اسرة مستشفيات لبنان مقارنة بعدد السكان، نجد أنه لدينا أكثر من 3.5 أسرة لكل 1000 مواطن، وهذا المعدل مرتفع جدا. فتوزيع المستشفيات قد لا يكون بالضرورة مبنيا على توزيع جغرافي صحيح”. أمام هذا الواقع عمدت وزارة الصحة الى اجراء مسح شامل للقطاع الاستشفائي واختصاصاته وقدرته الاستيعابية تمهيدا لوضع اللمسات الاخيرة للخريطة الصحية الشاملة لكل لبنان، ويؤكد حاصباني أن الوزارة بدأت بإعداد دراسة للبنى التحتية للرعاية الصحية الأولية (التي يبلغ عددها 225 مركزا التي من المفترض أن تمتص جزءا كبيرا من الضغط على المستشفيات)، وكذلك للاستشفاء العام، والتخصصي.

الخطة الصحية المتكاملة التي تعدها الوزارة تهدف الى تحديد المناطق التي هي بحاجة الى منشآت صحية واي نوع من الرعاية، هل هي مستوى رعاية أولية أو مستوى استشفائي عام، أو متخصص وأي نوع من التخصص، لكي يتم اعطاء التراخيص لبناء المستشفيات على اساسها، وفق ما يوضح حاصباني. ولكن ما هي المعايير التي يتم الاخذ بها عند بناء مستشفى حكومي؟. يوضح حاصباني، أن انشاء المستشفيات الحكومية يتم في مناطق ليس فيها جدوى اقتصادية لإنشاء مستشفى خاص، لافتا الى أنه “عند بناء المستشفيات الحكومية يجب الاخذ في الاعتبار عدد المستشفيات في المنطقة التي يمكن أن لا يكون لديها قدرة استيعاب كافية بما يوقعها في عجز”، ملاحظا أن ثمة مناطق لا يوجد فيها مستشفيات، فيما مناطق أخرى ليست بحاجة الى مستشفيات، بل الى مراكز رعاية صحية أولية أو مراكز طوارئ. لذا، نجري دراسة تفصيلية لكل المناطق ستنجز خلال اشهر قليلة”.

من يمول انشاء المستشفيات الحكومية؟ يوضح حاصباني أن تشييد البناء يتم على نفقة الممول الذي يمكن أن يكون الدولة أو عبر هبات أو مؤسسات خيرية أو بلديات، وإن يفترض بالدولة أن تمول الانشاء، إلا أنه عمليا لا يتم رصد اي أموال في الموازنة لأي قطاع، فالاستثمارات في الموازنة لا تتعدى الـ 3%”. اجمالا، مجلس الانماء والاعمار يؤمن التمويل ويبني المستشفيات، وكذلك يفعل مجلس الجنوب الذي مول أخيرا مستشفى جب جنين. أما المستشفيات الاخرى مثل مستشفى شبعا فقد تم بناؤه عبر هبة من الدولة الاماراتية التي أوكلت ادارته لجمعية المقاصد. وصدر فيه مرسوم كمستشفى حكومي، ولكن المقاصد لم تستطع أن تستمر في ادارته فتم تعيين لجنة ادارية من وزارة الصحة لإدارة هذا المرفق وتأمين استمراريته الى حين تشكيل الحكومة وانعقاد مجلس الوزراء ليعين له مجلس ادارة بمرسوم. اما المستشفى في صيدا فتم تشييده بهبة من الدولة التركية، إلا أن الموازنة التي رصدتها الأخيرة لم تسمح للمستشفى أن ينطلق. وبما أن الدولة غير قادرة على تأمين الاموال له، نبحث في شراكة مع المجتمع الاهلي أو القطاع الخاص. أما مستشفى دير القمر، فلم يستكمل بناؤه لأن الموازنة التي وضعت له في مجلس الانماء والاعمار لم تكن كافية، لذلك اتابع مع جهات دولية على أمل أن نحظى بمنحة تؤمن تشغيله. أما عن المساهمة المخصصة للمستشفيات فيقدرها حاصباني بـ 12 مليار ليرة سنويا لكل المستشفيات الحكومية، وهذا المبلغ يعتبره حاصباني قليل جدا خصوصا اذا ما تمت مقارنته مع المساهمة التي تحصل عليها مؤسسة الكهرباء والتي تقدر بألفي مليار ليرة.

والمعلوم أن المستشفيات الحكومية تخضع لأنظمة المؤسسات العامة في الإجراءات المتبعة من الدولة حيال التوظيف والرقابة، ولكن المشكلة وفق حاصباني أنه يجب أن تتمتع بالمرونة التي يتمتع بها القطاع الخاص، كونها ستمول نفسها وتكون مكتفية ذاتيا. وهذا الامر يخلق تحدياً كبيراً لهذه المؤسسات، خصوصا وانها “لا تستطيع منافسة المستشفيات الخاصة إن كان بطريقة ادارتها أو بطريقة عملها، ولكن لديها دور اساسي تلعبه بتقديم الخدمات العامة”.

دور مجلس الجنوب؟

لعل خير مثال على العشوائية في بناء المستشفيات التي لا تأخذ في الاعتبار حاجة المناطق قرار بناء مستشفى في جب جنين حيث يوجد في المنطقة 3 مستشفيات أخرى رسمية تبعد الواحدة عن الاخرى مسافة لا تتجاوز الـ 15 دقيقة (مشغرة، خربة قنافار، وراشيا)، ومستشفيان خاصان في جب جنين وسحمر، إلا أن رئيس مجلس الجنوب قبلان قبلان أكد لـ”النهار” أن جب جنين تقع في منطقة وسطية تحوطها نحو 20 قرية يقصد اهلها شتورا وزحلة للعلاج، لافتا الى أن المستشفى الذي بدأ العمل بتشييده منذ 4 أشهر تقريبا يحوي 50 سريرا، ومجهز لاستقبال كل الحالات المرضية.

وإذ لفت أن مجلس الجنوب قام بتأسيس 6 مستشفيات (5 في الجنوب وواحدة في مشغرة/ البقاع الغربي)، أوضح أن مستشفى مشغرة تم بناؤه عام 1996، ولكن وزارة الصحة لم تجهزه، وبعد مطالبات عدة من ابناء القرية عمدنا الى تجهيزه.

أما الآلية التي يعتمدها مجلس الجنوب في تشييد المستشفى، فيوضح أن المجلس يقدم برنامج مشاريعه عموما الى مجلس الوزراء، وبعد أن يتم بناء المستشفى يتم تسليمه الى وزارة الصحة التي من المفترض أن تقوم بتجهيزه وتديره. ولكن الوزارة “لم تبادر الى تجهيز اي من المستشفيات التي قمنا بتأسيسها بما اضطرنا الى التواصل مع مؤسسات عربية ودولية لتجهيزها. وكيف تحدد المنطقة؟ يلفت قبلان أن “البلدة تطلب بناء مستشفى فيها، ندرس كمجلس الملف ونرسله الى وزارة الصحة للموافقة”.

تحت الوصاية لا الادارة

المستشفيات الحكومية هي مؤسسات عامة لديها الاستقلالية تؤسس بمرسوم يصدر عن مجلس الوزراء، غالبية مرضاها على نفقة وزارة الصحة والضمان أو الجهات الضامنة الاخرى، يعين مجلس الوزراء مجلس ادارتها. هي تحت وصاية وزارة الصحة ولكن ليست تحت ادارتها المباشرة، وموازنتها ليس لها علاقة بالدولة أو موازنة تصدر عن مجلس الوزراء، كل مستشفى له موازنة مستقلة، ويتم رصد نحو 12 مليار ليرة في موازنة وزارة الصحة لدعم المستشفيات الحكومية عبر مساهمات.