علي حمادة - النهار

بؤس المشهد اللبناني الراهن – علي حماده – النهار

لا يمكن المراقب إلا أن يلاحظ مدى التردي الذي أصاب الواقع اللبناني منذ انتهاء الانتخابات النيابية الاخيرة في أيار ٢٠١٨. فمع تكليف الرئيس سعد الحريري تشكيل الحكومة الجديدة المنبثقة من الانتخابات توالت خلال اكثر من سبعة اشهر سلسلة تعقيدات، لا بل ازمات ادت اليوم الى تلاشي الاثر الايجابي لتشكيل اي حكومة متى تألفت، فضلا عن ان الولاية الرئاسية قيل الكثير عن انها ستنقل البلاد من مرحلة الازمات الى مرحلة من الازدهار، فإذ بالبلاد تقع في منزلق ما عهدته قبلا، حتى في احلك ايام الحرب الاهلية، ولا سيما على المستوى المعيشي للبنانيين. لقد اظهرت “التسوية الرئاسية” أثرا يصعب وصفه بالايجابي، وربما جل ما حصل انها ادخلت عنصرا جديدا في نظام المحاصصة من الباب الواسع، مع تميز العنصر المذكور بـ”جوع” مخيف لكل مكسب من اي نوع كان. والحقيقة ان التسوية ما كانت الاساس في الاستقرار الامني الحاصل في لبنان الذي يعود الى اسباب مختلفة تماما لخطوات بدأت عمليا سنة ٢٠١٤ مع دخول الرئيس سعد الحريري في حكومة “ربط النزاع” مع فريق ٨ آذار، اقتناع جميع الأفرقاء الاقوياء والاقل قوة على حد سواء، بخطورة الاحتكام الى الشارع.

بالعودة الى احوال بلدنا الراهنة، يمكن القول ان موضوع تأليف الحكومة مؤجل الى اجل غير مسمى، وان العقد التي جرى اختلاقها مرة بعد مرة، تدفع الى الظن ان القرار بعدم السماح بولادة الحكومة لا يزال قائما، وان التوقيت ليس بيد القوى المحلية، وانما بيد قوة واحدة ذات وظيفة خارجية معروفة، تحمل في جعبتها اكثر من “عقدة” جاهزة لتطرح في الساحة لمنع ولادة الحكومة المعلقة على الواقع الاقليمي والحسابات التي تمتد من اليمن الى العراق فسوريا.




وكأنه لا يكفي لبنان ما يحل به جراء منع تأليف الحكومة، حتى تحضر أزمة القمة الاقتصادية الاجتماعية العربية في بيروت على وقع رفض فريق سياسي انعقادها اذا ما غاب عنها نظام بشار الاسد من جهة، ويهدد بمواجهتها في الشارع اذا ما حضر وفد ليبي، فيما نظام معمر القذافي سقط منذ سنوات طويلة، بما يعكس حالة المؤسسات اللبنانية غير القادرة على حماية امن قمة عربية، حيث يتوقع ان يلغي أكثر من رئيس دولة مشاركته لتقتصر على وزراء الاختصاص (اذا ما عقدت القمة) باعتبار ان لبنان الرسمي لا يعكس صورة الدولة القادرة والمؤهلة راهنا لاستضافة اجتماعات على مستوى القمة.

يضاف الى كل ما سبق التصريح غير المسؤول الذي أدلى به وزير المال عن السياسة المالية للدولة، والذي اشاع بلبلة كبيرة في السوق المالية الداخلية، انعكست سلبا على سندات الخزينة اللبنانية المطروحة في الاسواق الدولية. وبالرغم من كل التطمينات التي لحقت بتصريح وزير المال، فإن السوق الداخلية الحذرة للغاية ما هدأت إلا موقتا، واي تطور سلبي مقبل سيدفع بالاسواق الى حالة فلتان مخيف.

ان مشهد لبنان الراهن بائس، إذ انه ممنوع ان يكون له نظام حكم سلس في مرحلة التمدد الايراني، والبحث في الحل السياسي الدستوري في سوريا، وممنوع ان تكون له حكومة جديدة في ظل استمرار تعثر اعادة تأهيل نظام بشار الاسد المرتبط بأكثر من استحقاق دولي. ولعلّ الاصعب من ذلك ما قاله رئيس الجمهورية ميشال عون قبل يومين عندما أسف لعدم تمكن لبنان من التخلص من التدخلات الخارجية!