بيروت – الأسد ترحّب بسوريا – الأسد!

عبد الوهاب بدرخان – النهار

دعوة سوريا ورئيس نظامها الى القمة العربية الاقتصادية قرار عربي وليس لبنانياً فلا داعي للاشتباك حول هذه المسألة لبنانياً. إذا حصل توافق عربي على إنهاء تجميد عضوية سوريا في الجامعة يُرفع الحرج عن الرئيس اللبناني وتهدأ ضغوط “حزب الله” فيستطيع الرئيس عندئذ أن يدعو نظيره السوري ويتمتع بحضوره وتنظيراته وبالقيمة المضافة التي ستكتسبها قمة بيروت من سجله الأسود. حتى قبل صدور قرار عربي احتدم سباق بين قمّتَي بيروت وتونس وأيّهما يمكن أن تكون قمة “مصالحة” العرب مع بشار الاسد، مصالحة فوق جثّتَين: شعب سوريا، وسوريا نفسها المقطّعة والمتقاسَمة بين روسيا وايران وتركيا وإسرائيل.




عانت القمم العربية الاقتصادية من وفرة التقارير التنموية الجيّدة والنيات الطيبة وقلة الإنجازات الاستراتيجية، لكن الخبراء يقولون إن الخطط موجودة والارادات مفقودة، وبات يُضاف أن الأموال قليلة إن لم تكن نادرة. المعروف مسبقاً أن إعادة الإعمار في سوريا ليست بنداً على جدول أعمال قمة بيروت، ولا إعادة الإعمار في العراق، ولا الوضع الاقتصادي المنذر بالانهيار في لبنان، فهذه وغيرها تحاول تصريف مشاكلها بالمراهنة على مؤتمرات ومساهمات دولية… ومع ذلك، يُراد إثقال قمة بيروت بحمولة سياسية أكثر كلفة من الخسائر البشرية والاقتصادية ولا يمكن تصريفها في أي مكان في العالم. لا جدال في أن الاقتصاد مشاريع وأرقام، لكن لا جدال أيضاً في أن الاقتصاد هو للإنسان. لذلك فإن ما يسمّى “مصالحة الاسد”، وبلا مقابل، سيكون للمرّة الأولى اعترافاً عربياً، رسمياً وتاريخياً، بأن الإنسان العربي بلا أي قيمة.

إنها مصالح الدول تغيّر الأحوال، كما يقال، والعرب أسياد الاستسهال والاستعجال والارتجال. الشروط الأميركية والأوروبية للتطبيع مع الاسد جيّدة مبدئياً، لكنها صعبة وطويلة النَفَس وغير مضمونة النتائج لأنها تصرّ على شيء ولو ضئيل من المحاسبة للاسد، وعلى شيء ولو زهيد من الانصاف للشعب. أما الشروط الروسية والإيرانية والاسدية فهي سهلة وعملية ولا تتطلّب أكثر من “كبسة زر” لنسيان مليونَي انسان بين قتيل ومصاب ومفقود وأكثر من عشرة ملايين بين مهجّر ولاجئ، لكن الاسد “انتصر” على شعبه وبالتالي فإن الأمر لا يتطلب أكثر من “الواقعية”، هي الواقعية ذاتها التي بررت سابقاً الهرولة الى التطبيع مع إسرائيل.

المصالح؟ حسناً، هل مَن يدلّ الى ملامحها وما يمكن أن يتوضّح من معالمها لاحقاً. المفلسون الثلاثة، الأسد والايرانيون والروس، لديهم الأموال لمواصلة القتل والتدمير ولا أموال لديهم لإعمار ما دمّروه لكنهم، ومعهم دونالد ترامب، يقولون إن سوريا تحتاج الى الأموال العربية لتعاود النهوض، وينتظر الثلاثة إياهم هذه الأموال، إذا توفّرت، ليتقاسموها. مَن يراهن الآن على انضباط الأسد عربياً كمن يراهن على انضباط ايران اقليمياً، أو كمن يراهن على أن لبنان تحت هيمنة “حزب الله” لا يزال “ضمير العرب”.