علي حمادة - النهار

لولا ”نورما” لكنّا ضجرنا… – علي حماده – النهار

لولا أخبار العاصفة “نورما” التي تضرب لبنان حاليا لكانت الحياة اللبنانية مملة للغاية، ولكان متابعو اخبار تأليف الحكومة قد ماتوا ضجرا! فلا جديد في ظل العاصفة، ولا حراك حقيقيا ما دام قرار ولادة الحكومة لم يصدر بعد. فما من مراقب مطلع على مسار تأليف الحكومة إلا ويجزم ان الحكومة لم يحن وقتها، وانها في انتظار ان يفرج عنها الطراف المانع لولادتها، اي “حزب الله”. ولهذا الاخير حسابات بعضها محلي وبعضها الآخر خارجي، ولكن الاكيد بعد مرور اكثر من سبعة اشهر على محنة التأليف ان الطرف المانع للولادة غير مستعجل، ولا يريد ان يرى ان موضوع توزير احد نواب سنّة ٨ آذار لا يستأهل تعليق الحياة السياسية في البلاد.

إذا ثمة جانب آخر للازمة التي تحول دون ولادة الحكومة، أولها تقاطع معركة خلافة الرئيس ميشال عون في الرئاسة مع مسار “حزب الله” التصاعدي في السيطرة على القرار الوطني للبلاد، وثانيها ارتباط تعليق ولادة الحكومة اللبنانية بجملة تطورات في المنطقة تبدأ من اليمن حيث يترنح وقف اطلاق النار، وتمر بتشكيل الحكومة العراقية في بغداد، وصولا الى التطورات الكبيرة التي تشهدها الساحة السورية، ولا سيما رسم خريطة تقاسم جديدة في ضوء قرار الولايات المتحدة الانسحاب. ويبقى ان الاهم على مستوى تعطيل ولادة الحكومة، هو هذا المسار المنهجي الذي ينخر في جسم النظام اللبناني، ويقضم الصيغة يوما بعد يوم، وسط استسلام يكاد يكون شاملا في وجه آلة الموت والقتل التي تبقى راسخة في عقول القيادات السياسية الزاعمة أنها قيادات كبيرة وتاريخية.




ليس المهم أن تشكل حكومة، وان تصير مجرد مجلس بلدي مجرد من أي قرار فعلي على مقدرات البلاد. فكما تبين بعد التسوية السياسية التي جاءت بـ”المسيحي القوي” الى سدة الرئاسة، ان الاوصاف لا تتطابق مع الحقائق المرة، فإن تشكيل حكومة قد يمنح البلاد شيئا قليلا من مساحة للتنفس اقتصاديا، لكنه في ظل المعادلة القائمة لا يضع لبنان كوطن، ولا كصيغة على طريق الحل الدائم. فلا حلول دائمة في لبنان فيما هناك طرف يعتبر ان الصيغة والنظام يحتاجان الى عملية نسف تعيد رسم مشهد لبناني جديد في ضوء وقائع جديدة طرأت في العقدين الاخيرين. ولا حلول دائمة في ظل وجود تمييز يكاد يلامس العنصرية في المواطنية. فلا قانون يسود لدى من يصنفون انفسهم فوق البشر. ولا مؤسسات الدولة قادرة على فرض هيبتها، أكانت ادارية ام امنية في بيئة “فوق بشرية”. من هنا استحالة بناء وطن حقيقي لجميع ابنائه. والحقيقة ان “الرئيس القوي” الذي قيل انه سيكون مختلفا، يكتشف ومحيطه أن شيئا ما تغير، وان القوة انما تكمن في مكان آخر. ويكتشف ومحيطه ان التهافت على المكاسب الصغيرة والآنية والشخصية لا يصنع رئاسة قوية، ولا قوة تمثيل حقيقي لفئة من اللبنانيين كانت تشكو في العقود الثلاثة الماضية تمثيلا منقوصا لمصالحها.

تنطلق السنة بلا حكومة. واذا ما تقرر الافراج عنها لترى النور، فإنه في غياب قرار التصدي لاصل الازمة سنعود سنة بعد سنة لنجدد العقد مع الازمات.