//Vbout Tracking Code

كيف يقوّم المحيطون بحزب الله ”جموح” باسيل الى ضمان الرئاسة الاولى؟

ابراهيم بيرم – النهار

عندما صرح وزير الداخلية نهاد المشنوق من امام الصرح البطريركي في بكركي قبل بضعة ايام، بأن ما عقَّد عملية استيلاد الحكومة وإرجاء ابصارها النور هو ربط البعض لها بموضوع الاستحقاق الرئاسي البعيد نسبيا وبالحسابات المعقدة لهذا الاستحقاق، لم يكن يكشف سرا او يميط اللثام عن شيء مستور ومخبوء، فالامر معلوم بكل تفاصيله وخلفياته وتشعباته عند كل المعنيين بالشأنين الحكومي والرئاسي بمن فيهم “حزب الله”.




واذا كان الوزير المشنوق قد عمد من خلال هذا الكلام المبهم الى التورية عن الشخصية التي بادرت الى “فعل الربط” بين الاستحقاقين معا، الا ان كل من تناهى كلام المشنوق الى سمعه علم مباشرة ان المراد والمقصود واحد لا غير هو رئيس “التيار الوطني الحر” الوزير جبران باسيل الذي ما لبث ان رد على هذا التصريح المدوّي في حينه.

عنصر الاستغراب في هذا المقام تجسّد في توقيت اطلاق هذا الربط بالذات، حيث بدت عملية استيلاد الحكومة المنتظرة استعصاء استحال ازمة عنيدة مفتوحة، وهو ما استدعى طرح السؤال من بعض المعنيين عما اذا كان الرجل يقول الكلام من عندياته، وهو المشهور عنه انه خرج من كل حسابات التوزير لدى تياره السياسي وانه احيل على لائحة الحرمان من جنة الحكم، أم انه وفد الى بكركي باسم هذا التيار ليفصح عن ضيق “التيار الازرق” وتبرّمه من هذا الربط، واستطرادا من جموح باسيل في هذا الجانب.

الاجابة الحاسمة عن هذا السؤال متروكة للتكهن والتأويل لانها لن تجد مَن يحدد ويحسم، لكن الكلام في ذاته هو في عُرْف كثيرين وضع اصبعا على جرح سياسي صار نازفا منذ اشهر سبعة، وربما حدد مشكلة تأجيل التأليف وكشف احد ابرز اسبابه.

ليس مفاجئا في حسابات كثيرين ان اصرار الوزير باسيل، على سبيل المثال، على نيل الثلث الضامن في الحكومة المقبلة (11 وزيرا للتيار والرئاسة الاولى) قد اطاح محاولة ممكنة تعجّل في استيلاد الحكومة، تحمَّس لها وغطّاها رئيس مجلس النواب نبيه بري (محاولة تسمية جواد عدرا ممثلا للقاء التشاوري للنواب السنّة المستقلين)، وعلى هذا الممكن تقاس العقدتان السابقتان اللتان احتاجتا الى أشهر لحلهما وهما العقدة المسيحية والعقدة الدرزية.

ربما يحظى هذا الطموح السياسي من جانب الوزير باسيل بمشروعية سياسية في تركيبة حكم مثل التركيبة اللبنانية، اذ يرى في نفسه مؤهلات ومقومات واوراق قوة تؤهله لوراثة حميه في سدة الرئاسة الاولى. والامر ليس خافيا على شريك باسيل في “تفاهم مار مخايل”، اي “حزب الله”. ولئن كان هذا الحزب يرفض الى الان الافصاح عن موقفه الجازم والنهائي من هذا الموضوع واستتباعا من هذا “الجموح الباسيلي”، بيد ان المحيطين بالحزب صاروا يفصحون في مجالسهم الضيقة عن نوع من الضيق حيال هذا السلوك ويسجلون في الوقت عينه ملاحظات ومآخذ ضمنية عليه.

الحزب بطبيعة الحال يحرص كل الحرص على ألا يبدي تبرّماً من اصرار باسيل على الحصول على الثلث الضامن في الحكومة المنتظرة، ويعلن انه لا يجد غضاضة في ذلك حتى وإن حصل (باسيل) على اكثر من ذلك، لكنه يحرص في الوقت عينه على ان المسألة التي لا يتزحزح عنها ولا يساوم عليها هي مسألة حصول حلفائه السنّة على تمثيل مضمون في الحكومة المنتظر ولادتها. لذلك اعلن الحزب ان مفتاح الامر ولبّ المشكلة هو عند الرئيس المكلف سعد الحريري الرافض مبدئيا للامر. والواضح ان الحزب عاد في الايام القليلة الماضية وعبْر ما يشبه الحملة الاعلامية على لسان العديد من مسؤوليه، الى الطرْق على ابواب أمرين اساسيين. الاول ان “اللقاء التشاوري قام بما ينبغي ويتعين ان يقوم به وذلك عندما تنازل عن شرطه المعلن وهو ان يتوزّر بواحد من اعضائه الستة، وقبل بالتالي ان يتمثل بشخصية تمثله حصراً، اي قبل بجوهر المبادرة الرئاسية الاخيرة لحل المعضلة. لذا فان كرة المسؤولية صارت عند غير اللقاء”.

والثاني ان مبتدأ المشكلة هو عند الرئيس المكلف، لذا لم يكن مستغربا ان يعود رموز الحزب مجددا في الآونة الاخيرة الى مقولة ان المسؤول الاول عن الازمة هو تعنت الرئيس المكلف ورفضه التجاوب.

يبدو جليا ان الحزب من خلال هذا الكلام المستعاد يريد ان يبعد شبهة مسؤولية التعطيل عن حليفه باسيل وتياره لكي يتلافى مزيدا من السلبية في علاقته التاريخية معهما من جهة، ولكي يخفض وتيرة الاحتقان التي سادت هذه العلاقة في الاسابيع القليلة الماضية، ولاسيما بعدما رفض “اللقاء التشاوري” التجاوب مع مقتضيات “المبادرة الرئاسية” وفق ما اراد الوزير باسيل وخطط له.

لكن الاكيد ان في الحجرات المغلقة للحزب يدور كلام تقويمي لنهج باسيل ينهض على الاستنتاجات الآتية:

– ان باسيل يبدو مستعجلا لبلوغ غايته الرئاسية اكثر من اللازم، حتى وإن اضطر الامر الى فرضه امرا واقعا على كل الآخرين.

– ان باسيل ينطلق في كل حساباته الرئاسية من مسلّمة هي ان كلاً من “حزب الله” وايران وسوريا وحتى روسيا في الآونة الاخيرة، هم جميعا في “جيبه”، او على ابعد تقدير هم غير قادرين، نتيجة حسابات وتقديرات، على مخالفته متى جدَّ الجد وحانت الساعة.

– وليس خافيا على احد بما في ذلك الحزب، ان باسيل نسج تفاهمات عدة مع الرئيس الحريري تتجاوز في أبعادها التفاهم الرئاسي لتصير شركة تنطوي على مصالح اوسع وأعقد.

وليس جديدا ان تقديرات باسيل توحي له ان هذه التفاهمات هي معبره المضمون الى قلب السعودية ليحظى ذات يوم بمباركتها.

هل هذا النمط من السلوكيات المستعجلة وربما المتهورة لدى باسيل، هو من النوع الذي لا يستدعي اي استرابة حاضرة ومستقبلية من الحزب؟

الذين هم على تواصل بشكل او بآخر مع دوائر القرار العميقة في الحزب، لا يجدون اطلاقا اي موقف حاسم ونهائي ليبنوا عليه، ولا يجدون ايضا ما يوحي ان الحزب قد درس امر الرئاسة الاولى واحتمالاتها بشكل اخير، فالامر بالنسبة اليه مازال امامه متسع من الوقت، ولكن الجلي ان الحزب ما زال مصرا على العلاقة المتينة مع الرئيس عون ومع التيار عموما، وهو يعي في المقابل ان موضوع سلوك باسيل هو ايضا موضع نقاش وربما تباين داخل “التيار البرتقالي” وايضا داخل “البيت الرئاسي”. وعليه ثمة لدى الحزب اولويات أوجب الآن من بتّ هذا الموضوع او اعطاء اجابات لمن يوجهون اليه اسئلة ويطلبون ضمانات من الآن.