الكلفة الاستباقية لتعويم نظام الأسد أم الانكشاف المبكر لنظام لبناني فقَد حُماته؟

نبيل بومنصف – النهار

لم يعد الكلام المتصاعد على زج موضوع دعوة النظام السوري الى المشاركة في القمة الاقتصادية العربية المقررة في بيروت في منتصف الشهر الجاري مجرد تزامن مع التعقيدات التصاعدية لأزمة تشكيل الحكومة العالقة منذ اكثر من ثمانية أشهر على إحدى اكثر الغرائب السياسية الداخلية. ذلك ان العجز المنكشف لدى القوى السياسية الخارجة في معظمها بعضلات من ورق وكرتون من الانتخابات النيابية الاخيرة باستثناء قلة قليلة معروفة منها لم تلبث ان سقطت في الامتحان الاساسي الاخطر الذي واجهها فاضحاً هزال المضمون التفويضي الذي نالته في الانتخابات. كما ان لبنان واجه ما لم يكن يحسب له حتى حلفاء دمشق وطهران انفسهم قبل اشهر قليلة في عملية التعويم الفاضحة دولياً للنظام السوري على حساب كل قيم المنظومات التي تملي حلاً جذرياً في سوريا لا يكون هذا النظام من أساساته. في اي حال، ما يعني لبنان في هذا السياق ليس النقاش في أخلاقيات منعدمة لدى أسرة دولية من جراء تقاطع بعض المصالح وبعض الظروف من شأنها الإطاحة اطاحة تامة بتطلعات شعب الى التحرر من نظام ديكتاتوري وحرب أهلية وأممية طاحنة سحقت احدى ابرز الدول في هذه المنطقة المصابة بألف لعنة، لان اللبنانيين بفئاتهم المختلفة كانوا السباقين الى تذوّق مرارات دفع اثمان اللعب الدولية وتقاطعات مصالحها ولا يفترض ان يفاجأوا بتكرار هذه المعادلات في أمكنة وظروف أخرى. بل ان ما يعني اللبنانيين وما هو مطروح على طاولة تقرير مصير بلدهم اليوم، ولا نقول دولتهم لانها واقعياً لا تزال افتراضاً غير محقق، وإلا لما كان يطرح السؤال عن مصيرهم، هو مدى الاختلاط الواقعي القائم بين تعويم نظام الرئيس السوري بشار الأسد والعوامل الداخلية لاستحكام الازمة الحكومية السياسية في لبنان.




الحال ان مدة اكثر من ثمانية اشهر استهلكتها الازمة الحكومية حتى هذه اللحظة تبرز العامل الداخلي كمؤثر اساسي اول لا جدال حوله في التسبب بهذه الازمة التي جاءت مجانية ومن دون اي احتساب مسبق لإمكان ان تشكل امتداداً او استنساخاً لأزمات سابقة كانت ظروفها وحيثياتها مختلفة اختلافاً واسعاً عن الظرف الذي نشأت فيه الازمة الحالية. فبعد طول تعمُّق في مراحل الازمة الحالية يبدو محسوماً ان سباقاً لاهثاً قام بين العديد من القوى السياسية والحزبية على قضم ما امكن من النظام الدستوري اللبناني المتهاوي والضعيف والمتجه قدماً نحو مزيد من الهلهلة في ظل الخربطة الخطيرة الحاصلة في عملية تشكيل الحكومة والوقاحة السافرة في التعديات المتعددة الاتجاه على صلاحيات كل من رئيسي الجمهورية والحكومة في تشكيل الحكومة، والاستكانة البالغة الخطورة لكل من المرجعين حيال هذه التعديات، بل ربما غضّ الطرف عنها لمصالح سياسية لكل منهما. ومن دون اي تورية او تلطيف او استعمال للقفازات الديبلوماسية في التعبير والتوصيف، يمكن الجزم القطعي بان مدة ازمة تشكيل الحكومة الجديدة عقب انتخابات قيل فيها مدحاً ما لم يُقل في اي انتخابات سابقة بان انهيار الهيكل السياسي السيادي لقوى سيادية استقلالية هي قوى 14 آذار ادى الى دفع هذا الثمن الباهظ من التجرؤ على الدستور وميثاق الطائف، بل من التجرؤ على تكريس قواعد وأعراف انقلابية بالكامل ودفع القوى الطامحة والناهدة اصلاً وفق تركيباتها ومواقفها الاولى المعروفة بمناهضتها للطائف على التسيّد والتنمّر اكثر فاكثر على القوى الملتزمة الدستور والطائف. بتعويم للنظام السوري أم من دونه، كانت هذه الحصيلة المفجعة لتبرز كنتيجة اساسية للأزمة الممعنة في التعمق في لبنان والتي تقوده الى مصير بالغ الخطورة والغموض. فكيف حين تتعانق شهوات تقويض البلد مع اندفاع مصالح نحو تعويم نظام لم تفارقه حتى اللحظة شهوة الوصاية على لبنان رغم ابشع وأكبر واوسع دمار ساهم فيه هو نفسه اكثر من كل المتورطين في دمار سوريا؟

من سوء طالع لبنان الدائم ان ثمة عاملاً خارجياً يأتي دوماً وفق رغبات قوى مرتبطة بخوارج مختلفة للتورية على انعدام المناعة الداخلية وجفاف الحماية اللازمة للدولة والشعب والقرار الذاتي الداخلي. وهذا ما بدأ يرتسم تماماً قبل نحو ثلاثة اشهر في الاختلاط الحاصل بين الصراع الداخلي على المحاصصة الحكومية وبروز معادلات جديدة اقليمية وعربية ودولية للتسامح مع بقاء نظام بشار الأسد ومن ثم بدء تصاعد دعوات حلفاء هذا النظام في لبنان الى دعوته الى القمة الاقتصادية العربية في بيروت. تتخذ هذه الدعوات في اللحظة الراهنة بعداً مختلفاً اذ تجنح عن الطبيعة الاساسية للقمة المعنية بالتنمية الاقتصادية العربية الى عنوان سياسي مثير للمزيد من الانقسامات العمودية اللبنانية وحتى العربية في موضوع تعويم مكانة النظام السوري عربياً. سيؤدي الامر حتماً الى مزيد من تعميق الازمة في لبنان وربما الى التسبب بفشل استباقي محسوم للقمة اذا عقدت ولم تؤجل. وفي مجمل الأحوال، فان لبنان ليس مدعواً الى التعمق الكبير في معرفة اسباب انسداد الحلول الحكومية والسياسية فيه ما دامت طبقته السياسية حمّالة ولاءات الى درجة يصح معها مسبقاً الصاق الازمة بأسباب داخلية صرفة كما بأسباب الارتباطات والولاءات الخارجية المدمرة سواء بسواء. وفترة انتظار انعقاد القمة الاقتصادية العربية ستكون كفيلة بدورها بتظهير العاملين النافرين.