المصارف مجدّداً ضحية مواجهة ”حزب الله”؟

سابين عويس – النهار

في توقيت تحوم حوله التساؤلات عن حيثياته، تعرض 11 مصرفا لبنانيا لدعوى مدنية رفعها متضررون في العراق، أرفقت بدعوى مماثلة من مواطنين مقيمين في الولايات المتحدة أمام المحكمة المدنية الفيدرالية في نيويورك، بتهمة ان هذه المصارف ساعدت ولا تزال “حزب الله” على تنفيذ اعماله الارهابية بين عامي 2004 و2011 (ومن ضمنها حرب تموز)، من خلال تأمين التمويل له لتنفيذ عملياته، رغم علمها بتصنيف الولايات المتحدة له كمنظمة ارهابية يحظر التعامل معها. وترمي الدعوى الى مطالبة المصارف موضع التهمة بتعويضات للمتضررين من تلك الاعمال.




ليست الدعوى الاولى تتعرض لها مصارف لبنانية تحت هذا العنوان. فعام 2007، أقيمت دعوى مماثلة ضد خمسة مصارف لبنانية، لكن المحاكم الاميركية المعنية رفضتها، كما افاد بيان لجمعية المصارف امس، التي وضعت ثقتها بـ”عدالة القضاء الاميركي”، كاشفة ان المصارف ستتخذ مع محاميها الخطوات اللازمة لمتابعة الموضوع.

في الشكل والتوقيت، تأتي الدعوى قبل انتهاء المهل المحددة وفق القانون الاميركي بعشر سنوات. اما في المضمون، فإن الكشف عن الدعوى في الاعلام أثار تساؤلات الى جانب مخاوف من حجم الدعوى وحيثياتها وتفاعلاتها على القطاع المصرفي اللبناني.

فهي ليست المرة الاولى يتعرض القطاع المصرفي للاستهداف، خصوصا ان مسألة تمويل “حزب الله” الخاضعة لقانون “حظر التمويل على الحزب” الصادر عن الولايات المتحدة الاميركية، وضعت المصارف اللبنانية تحت مجهر المراقبة الدولي عموما والاميركي على وجه الخصوص. وكان القطاع ينجح امام كل امتحان في تجاوز الازمة نتيجة التزامه القانون كما القوانين والمعايير الدولية التي تبقيه ضمن النظام المالي العالمي. ومعلوم أن أكثر ما يشكوه القيمون على هذا القطاع انهم مطالبون دوليا واميركيا بشفافية مطلقة في التعاطي وبرقابة ذاتية مشددة الى اقصى الحدود، للحفاظ على موقعه ضمن المنظومة المالية الدولية، كما هم مطالبون بتمويل عجز الدولة، باعتبار أن القطاع المصرفي هو القطاع الوحيد الذي نجح في الصمود في وجه الازمات المحلية وتمكن من الاستمرار في تمويل الدولة، فيما تعجز السلطة السياسية عن تقديم أبسط مقومات الصمود والحصانة لهذا القطاع ولأي قطاع اقتصادي او انتاجي آخر.

ويصف احد المصرفيين حال المصارف بـ”الواقعة بين مطرقة غياب الدولة وسندان السيطرة التامة لحزب الله”، متسائلا كيف يمكن لبنان ان يصمد في وجه الازمات في ظل المعادلة التي تحكم واقعه السياسي؟

ويبدو الكلام المصرفي كافيا ليعبر عن التداعيات السلبية والخطيرة التي ينوء تحت ثقلها البلد في ظل التعطيل المتمادي لقيام سلطة تنفيذية فاعلة تتحمل مسؤولية ادارة شؤونه.

في الجانب العملي، تقلل مصادر مصرفية من شأن الدعوى وانعكاسها على المصارف التي طالتها لأسباب عدة تلخصها بالنقاط الآتية:

– ان الدعوى ذات طابع مدني ورفعت في وجه مؤسسات خاصة، ما يعني ان مجراها يتم عبر القضاء الاميركي حيث سيقوم كل مصرف وفق الاتهامات الموجهة اليه بالدفاع عن نفسه، باعتبار ان الاتهامات ليست نفسها وتتفاوت بين مصرف وآخر، علما ان بعض المصارف التي ردت على استيضاحات “النهار” أكدت عدم صحة المزاعم والاسماء والحسابات موضع الاتهام.

– لا دور للمصرف المركزي اللبناني كما لا دور او دخل لوزارة الخزانة الاميركية، فضلا عن ان المصارف التي لم تكن قد تبلغت الدعوى بعد، أكدت أن المصارف المراسلة لم تبد أي قلق او تشكيك في ما اوردته الدعوى من معطيات استندت اليها في اتهاماتها.

– تبلغت بعض المصارف من السفيرة الاميركية في بيروت موقف ادارتها غير المعني بالموضوع وغير الداعم، باعتبار ان المسألة خاصة.

على هذا، لا تبدي المصارف خشيتها من الدعوى، لكنها لا تخفي انزعاجها من المسار الطويل والشائك والمكلف الذي ستضطر الى السير به.

في الخلفية القانونية، يوضح المرجع القانوني المحامي بول مرقص، أن هذه الدعاوى، وان كانت مستندة الى قانون مكافحة الاٍرهاب، تأتي بخلفية سياسية مغرضة، أو أقله سعيا وطمعا بمكاسب مالية غير مشروعة من المصارف، أكثر منها بخلفية تقنية قانونية وواقعية، ذلك أن تركيب الحجج المدلى بها والترابط بينها لا يستقيمان، وهي غير متناسقة مع ما تقفز اليه من استنتاجات لتحميل المصارف أعباء لا يد لها فيها. ولا يستبعد مرقص أن يردّها القاضي الناظر في النزاع في المربع الأول من التقاضي والذي يصدره هذا الأخير نتيجة عريضة “motion to dismiss” في القانون الأميركي يتقدم بها المدعى عليهم في مثل هذه القضايا، حيث أن الاختصاص يكون غير متوافر فضلا عن تنازع القوانين. واستطرادا كليا، في الأساس، إن العلاقة السببية “causality” غير ثابتة بين العمليات المصرفية للأشخاص المدرجين في اللوائح الأميركية والضرر المشكو منه. وقد سبق أن ردت دعاوى مشابهة أقيمت سابقا. لذا، فإن الملف هنا مجرد دعاوى مدنية لا تعبّر عن موقف الخزانة الأميركية وليست تدبيراً رقابيا أو عقابيا صادرا عنها.