ما المحكيّ والمسكوت عنه في زيارة وفد ”حزب الله” إلى بكركي؟

ابراهيم بيرم – النهار

لم يكن الظهور المفاجىء لوفد #حزب_الله في بكركي في اليوم الثاني من العام الوليد، امرا عاديا مفتقدا الأبعاد والرسائل. فوفق معطيات ومعلومات ان زيارة الوفد أتت بناء على جردة حساب دقيقة ومعمقة ذات صلة وثيقة بمسار الوضع السياسي في البلاد في الاشهر الاخيرة من جهة، وبمسار العلاقة التي يُفترص انها تربط بين الحزب وبين الصرح البطريركي وسيده وما يمثّل من جهة اخرى.




وبهذه المقاييس هي إذاً زيارة تتخطى في جوهرها ومؤدّاها الهدف المعلن منها وهو نقل معايدة قيادة الحزب الى البطريرك الماروني مار بشارة بطرس الراعي بالاعياد. إنها بمعنى آخر جهد مبذول لاعادة وصل ما انقطع بفعل التطورات المتسارعة بين حارة حريك وبكركي خصوصا، وبين الحزب والجو المسيحي عموما.

ليس استثنائيا القول إن الزيارة تأتي في اعقاب تلقّي الحزب جملة رسائل وجّهها اليه سيد الصرح في الاشهر القليلة الماضية، وتحديداً بعد اخفاق الجهود التي بذلت لتأليف الحكومة الاولى بعد الانتخابات النيابية في أيار الماضي. ولم يعد خافيا ان جوهر هذه الرسائل المتتالية التي وردت أولاها على لسان المفتي الجعفري الممتاز الشيخ احمد قبلان لدى خروجه من الصرح بعد زيارة للبطريرك الراعي، وهو كلام وجد في حينه استغرابا قارب حد الاستياء في اوساط شيعية من “تطوّع” المفتي قبلان ليجعل من نفسه ساعي بريد ويتجاوز دوره وموقعه ويجعل من نفسه ناطقا بلسان غيره، تحميل الحزب حصراً مسؤولية تعويق ولادة الحكومة.

ومعلوم ان الحزب استنكف حينذاك عن الرد واعتصم كعادته بالصمت، مع انه وجد في الاتهام والحكم ظلماً وحيفاً وغضّاً متعمداً للبصر عن وقائع وحقائق عنيدة، فضلا عن انه انحياز الى وجهة نظر تتبناها جهة واحدة.

الى ذلك الحين كان جلياً لراصدي مسار خطوط التواصل بين الطرفين ان حرارة العلاقة بينهما لم تعد في المستوى عينه الذي كانت عليه في الحقبة الاولى من تولّي الكاردينال الراعي سدة البطريركية المارونية. اذ في ذلك الوقت أثمر سعيٌ خفي وهادىء من الجانبين نتائج أفضت الى طي صفحة العلاقة المتوترة بين الحزب والصرح ابان كان البطريرك صفير يتولى السدة عينها.

واكثر من ذلك، شهد الصرح وصول اكثر من وفد من الحزب، وشهد ايضا تشكّل لجنة ارتباط وتنسيق وتشاور دلالة على الرغبة في تجاوز آثار الماضي والتطوير المستقبلي.

وظل المسار الايجابي عينه مستمرا الى ان استجدت معطيات، ولاسيما في خيارات البطريرك الراعي، ومواقف اطلقها سيد بكركي مسَّت الحزب وثوابته في شكل واضح، وخصوصا ابان زيارات الى الخارج، مما استدعى من الحزب نوعا من الانكفاء وإخفاض مستوى العلاقة الى حدودها الدنيا، فباتت كأنها في غرفة انعاش. وفي شكل اوضح، تجلّت ردود فعل الحزب في تجميد كل اشكال التعاون والتنسيق من دون اي ردود فعل اخرى يستشفّ منها الاعتراض او الانتقاد او الرغبة في فتح باب المواجهة الاعلامية.

لم يكن نوعاً من العجز عن اتخاذ المواقف بقدر ما كان ثمرة تقويم وتقدير موقف خلاصته ان الزمن الذي كانت فيه لكلمة بكركي وموقفها الصدى المدوّي، ولاسيما في اعقاب اغتيال الرئيس رفيق الحريري وصعود نجم مشروع 14 آذار قد تولّى وانصرم، فضلاً عن ان الحزب ضَمِن حضوراً عند جانب لا يستهان به من الشارع المسيحي وهو ما يكفيه مؤونة البحث عن حيّز ومساحة اكبر.

وبناء على كل هذه السيرة من الوقائع والمعطيات، فان السؤال المطروح اخيرا: ما الذي دفع الحزب الى اختيار هذا التوقيت بالذات ليرسل وفدا قياديا منه الى بكركي بعد غياب لافت ومحسوب؟

بحسب تفسيرات لدوائر قريبة من الحزب، فان الزيارة التي رأس وفدها الشخصية المؤهلة لتكون احد الممثلين الثلاثة للحزب في الحكومة المنتظر ولادتها، مزدوجة الهدف.

ففي الهدف الاول اعادة وصل ما انقطع مع البطريرك الراعي بعدما تعمّد رفع منسوب اتهاماته الصريحة حينا والخفية حينا آخر للحزب بالمسؤولية عن اثارة ما يعوق ولادة الحكومة المنتظرة، فضلاً عن انه بعث سابقا ضمنا رسائل احتجاج على “مجافاة” الحزب له ولصرحه. وعليه كانت الزيارة بمعنى من المعاني ايذانا بانتهاء “القطيعة” غير المعلنة وفتح صفحة جديدة، وهي وإن كانت لا تطوي بالضرورة التباينات في الرؤى بين الجانبين حيال ملفات حساسة معيّنة، الا انه (الحزب) يؤكد مجددا انه لا يقطع خيط علاقة كان عقده عن طيب خاطر مع طرف وازن وفاعل.

وفي الهدف الثاني ان الزيارة أتت مباشرة بعد نحو اسبوعين من اشتعال خلاف نقلت اصداءه وتفاعلاته وسائل الاعلام ووسائط التواصل الاجتماعي بين الحزب من جهة و”التيار الوطني الحر” من جهة اخرى. وهو خلاف وإن كان قد طوي الى حد بعيد بفعل جهود مكثفة بذلتها قيادتا الطرفين، الا ان التداعيات والآثار المعنوية لهذا الخلاف الذي تجاوز كل الحدود السابقة، ظلت تتوالى وتتردد وتفعل فعلها. لذا وجد الحزب ان من الضرورة ان يبلغ وفدٌ قيادي منه رسالة عاجلة الى مَن يعنيهم الامر بانه حريص كل الحرص على الحفاظ على علاقته مع سيد العهد ومع “التيار البرتقالي”، وانه استتباعا حريص على نجاح العهد وسيده من جهة، وانه من جهة اخرى ليس في وارد تبديد ما انتجه “تفاهم مار مخايل” من نتائج ومكاسب لطرفيه. ومع ذلك فان الحزب لم يخفِ في المرحلة السابقة اعتراضه “المهذب” على جموح رأس قيادة “التيار البرتقالي” واحيانا “تغوّله” وحساباته اللامتوازنة والتي من شأنها ان تهز معادلات يرى الحزب ضرورة ثباتها.

وعليه لم يكن غريبا انه ابان “ازمة” العلاقة مع التيار، سرت معلومات مفادها ان الحزب بعث برسالة شفهية الى الوزير جبران باسيل والى من يعنيه الامر فحواها: “ان وفاءنا لتفاهم مار مخايل جعلنا نصمد في المواجهة أكثر من عامين لكي يبلغ العماد عون قصر بعبدا، وان وفاءنا لحلفائنا في اللقاء التشاوري يوجب علينا السلوك عينه. فمن كانت شيمته الوفاء المطلق لحليف، فانه من باب أَوْلى لا يتخلى عن حليف آخر وقت الحاجة”.

فحوى رسالة زيارة المعايدة: “اننا لا نرغب اطلاقا في التخلي عن تفاهماتنا السابقة، واننا كما سوانا نستعجل استيلاد الحكومة وطي الازمة ولكن للعبة السياسية شروطها الدقيقة وظروفها التي على الآخرين تفهّمها”.