باسيل يقرر بإسم العهد ”التفاهم” والولادة!

ابراهيم حيدر – النهار

لن تتأخر كثيراً الاتصالات والمساعي في إعادة ضبط العلاقة بين “حزب الله” و”التيار الوطني الحر”، فكل المؤشرات تدل على أن الطرفين تنبها إلى أن ما حصّلاه على صعيد الحكم والهيمنة لا ينبغي التفريط بهما، انطلاقاً من المصالح المشتركة، وإن كان الحزب أكثر قدرة على الضغط والتحكم في الأمور استناداً إلى فائض قوته وتسلّحه بعناصر وازنة في البيئات الطائفية المضافة، لكنه وفق مصادر سياسية متابعة لا يريد راهناً أن تصل العلاقة مع التيار إلى طريق مسدود، طالما أن في إمكانه تسجيل نقاط قوة ترفع رصيده في البيئة المسيحية ولا يريد أن يخسرها. أما التيار، فلا يريد ايضاً خسارة قوة الشيعية السياسية المهيمنة والطافرة والقادرة اليوم، طالما انه غير قادر على تعويضها لا بثنائية مارونية- سنية لم يكتب لها النجاح مع الرئيس سعد الحريري، ولا في الساحة المسيحية التي تتطلب دائماً مواجهة مع “القوات اللبنانية” المنافس الأول له، فلم يتمكن من الحفاظ على روح اتفاق معراب ولا بنوده، فسقط ايضاً التحالف الثنائي المسيحي.




تعطلت الولادة الحكومية على وقع الخلاف المستجد بين الطرفين، والذي فجرته العقدة السنية. لكنه خلاف يتصل بموازين القوى ومعادلات ترتبط بما يريده كل طرف وحساباته داخلياً وإقليمياً. وعلى هذا الخلاف لا ينتهي تفاهم مار مخايل الذي أعلن بين الامين العام للحزب السيد حسن نصرالله والجنرال ميشال عون في 6 شباط 2006، فوفق المصادر السياسية أن الطرفين تجاوزا بنود التفاهم، بعد التطورات التي حدثت في لبنان منذ عدوان تموز 2006، إلى اليوم، ومروراً بحوادث 7 أيار 2008 واتفاق الدوحة، ثم الحرب السورية التي كرّست التحالف في الملفات الرئيسية، في حين بقي التباين داخلياً انطلاقاً من حسابات كل طرف في ساحته الطائفية وفي العلاقة بين الطوائف الأخرى، باستثناء فائض القوة الإقليمية لدى الحزب. لذا استفاد الوطني الحر من دعم “حزب الله” وفائض قوته وجيّر ذلك داخلياً وإن كان انفتح على قوى في الطوائف الأخرى لتحصيل مكاسب، وتغيير معادلات بين الطوائف عبر الإنقضاض على صلاحياتها أو ما يعرف بحقوقها وفق ما تكرّس في اتفاق الدوحة. وقد وصلت الأمور لدى التيار بعد وصول الرئيس ميشال عون إلى الرئاسة إلى استثمار أي ثغرة لتحصيل مكاسب معينة، كان آخرها العقدة السنية التي ما إن أخذت طريقها إلى الحل، وهي من شروط “حزب الله” لتمثيل سنّة 8 أذار، حتى قفز التيار إلى المطالبة بأن يكون الوزير السني من حصة الرئيس عون، وهو أمر تأكد مع مساعي وزير الخارجية جبران باسيل السابقة والتي كانت تركز على الأخذ من حصة الحريري ومن حسابه وفق ما تقول المصادر، بدلاً من مبادرة يقوم بها رئيس الجمهورية لحسم ملف التشكيل عبر التنازل من حصته والارتفاع إلى موقع الرئيس الحكم القوي.

أياً يكن حجم الخلافات بين الطرفين، فإن الاتصالات تتقدم بوتيرة سريعة، ليس لإعادة تثبيت تفاهم مار مخايل، إنما لتثبيت أسس التحالف بما يتجاوز الاتفاق. ووفق المصادر، فإلى جانب المساعي التي يتولاها اللواء عباس ابراهيم، تجرى لقاءات واتصالات بين أكثر من قيادي في “حزب الله” ومسؤول من التيار، بدأت باتصال بين نصرالله والرئيس عون، ثم تواصل حصل وفق المصادر بين وفيق صفا ورئيس التيار جبران باسيل، إلى تواصل عبر حلقات معينة لإعادة التفاهم حول مشكلة التمثيل السني أولاً ثم تجاوز الالتباس الذي نشأ في بعض الملفات. وتقول المصادر أن الرئيس عون سلّم باسيل مسؤولية الملف بكامله، فهو بات المرجع في هذا الشأن، متوقعة أن تصل الامور إلى نقطة التقاء، يعطي فيها “حزب الله” لـ”التيار الوطني” والعهد الحقيبة السنية بشخصية غير جواد عدرا، والثلث المعطل، في مقابل إعادة النظر في بعض الملفات التي تؤرق قيادة الحزب خصوصاً في موضوع الجنوب، وإعادة ترتيب الأمور مع قيادة الجيش، إلى مواقف تتصل بموقع “حزب الله” من القرار وفي الحكومة، إذ يعرف الحزب أن التيار مستعد لذلك، لأنه لا يستطيع أن يسير بشروط المحور الآخر أي “تيار المستقبل” و”القوات اللبنانية”، وهما الطرفان اللذان لهما حسابات تتناقض مع تطلعات العهد وطموحاته. ويظهر وفق المصادر أن عون منفتح على التفاهم الجديد، وهو مقتنع مع تياره أن حصوله على الثلث المعطل مع 11 وزيراً يمكنه من تغيير معادلات وتكريس أعراف وتقاليد جديدة، طالما أنه لا يتمكن من استعادة الصلاحيات بتنازلات من الطوائف الأخرى.

بدا “حزب الله” أنه الطرف الأساسي في التعطيل الحكومي، مع اشتراطه تمثيل سنة 8 أذار، ثم اصبح التيار الوطني الحر معطلاً للولادة مع اشتراطه تأمين الثلث المعطل، فبدت المشكلة لدى الطرفين وفق المصادر، كل منهما له حساباته تجاه المحور الآخر الذي قبل بالتنازل لأكثرية ممانعة. وعندما يوافق “حزب الله” على اعطاء الحقيبة السنية السادسة للعهد، فإنه يعرف أن حسابات الاخير ترتبط بتعزيز وضعه في الحكم، لذا قد يحل مشكلة اللقاء التشاوري، وإمكانه المونة على بيئته المضافة في السنية السياسية وتمثيلها الصغير، فيما هو يكسب من بيئته المسيحية الكبرى مع التيار الوطني الحر والرئيس عون، خصوصاً وأن طموحات الاخير لا تأخذ من رصيد الشيعية السياسية، بل هي تتوجه أكثر الى رصيد السنية السياسية والثنائي المسيحي الآخر. فالثلث المعطل لا يؤثر على “حزب الله” وإن كان البعض من قياداته تساءل عن استخدام هذا الثلث وضد اي طرف، باعتبار أن الأكثرية الممانعة قد حصلت على الثلثين تقريباً. ومن زاوية موقف الحزب أن لا مشكلة لديه في استخدامه لتعطيل الحكومة العتيدة أو تفجيرها أو فرض شروط داخلها طالما لا تعني “حزب الله” مباشرة وهو المحصن في بيئته وضمن الشيعية السياسية في المعادلة العامة وفي الحكم.

سيسعى “حزب الله” إلى استعادة المبادرة وإظهار قوته في البلد، ووفق المصادر وسيؤكد للتيار أن التفاهم مستمر بين الحزب والعونيين على قاعدة مصالح مشتركة، ويعطيه الثلث المعطل، أما مضمون الشروط، فيشير إلى إعادة تذكيره بأن هناك موازين سائدة داخل البلد وقواه الأهلية والطائفية تكرست منذ عام 2008 يتصدرها مقررون في مقدمتهم “حزب الله” والشيعية السياسية عموماً. فهل تولد الحكومة خلال الأسبوعين المقبلين، أم نشهد جولة جديدة تتناسل عقدها من آطراف آخرين؟