//Put this in the section
المحامي جيمي فرنسيس

صراع التاريخ والذاكرة بين الكتائب والقوات – بقلم المحامي جيمي فرنسيس

للأسف، عادات عديدة خسرها مجتمعنا، واهمها النقاش البنّاء والايجابي، والاحتكام الى الحقائق والوقائع الثابتة،  فكما ان قول الحقيقة كان القاعدة، اصبح في ايامنا هذه جرأة، عند البعض وقاحة واحيانا خيانة، لذلك ما استعرضه لا اعتبره سوى حقيقة كثرت في ايامنا هذه الأسئلة عنها، فأردت تلخيصها، وهي من الحقائق التي اوصانا بها البشير، وتربينا في منزلنا على الشجاعة لقولها كما هي واينما كان.

شعاعة هذه التساؤلات انطلقت يوم اصبح للحدث عدة احداث، والقصة تتلى في الخفاء ولا تجد من يطرحها في العلن، وابرز تلك الاحداث السؤال الدائم عن القداس الذي يقيمه حزب القوات اللبنانية عن راحة شهداء المنظومة العسكرية التي عرفت بالقوات اللبنانية سابقا، والذي يشمل شهداء الاحزاب المسيحية والمقاومين يوم ذاك المتفرعين من الاحزاب الاساسية اي الكتائب، الاحرار، التنظيم وحراس الارز، كما يحاول جاهداً حزب القوات الوقوف عند تسميته الشهداء في هذه الذكرى على انهم شهداء المقاومة اللبنانية اي التنظيم العسكري وليس حزب القوات اللبنانية رغم خلط الاثنين في ذهن الشباب والمراهقين ما ادى الى ارتفاع نسبة التوتر بين الاحزاب وشبابها. وبسبب هذا اللغط، وبسبب قلّة التواصل، سنصل الى أخطاء اكثر واكثر، وهذا ما يجدر بمسؤولي الاحزاب ان يوضحوه، لبعضهم البعض ولقاعدتهم، لننتهي من هكذا تشنجات، ولنعش اليوم مستلهمين من الماضي.

لم يعد خفيّاً على احد هذا الصراع، عن تاريخ واحد لا يحتمل عدة ولاءات، رغم انه يضج بالانقسامات، تتقاسمه الاحزاب اللبنانية وخاصة المسيحية منها، وكلما “عتق” هذا التاريخ كلما “غلي”، واصبح “تشبيحه”، مثمرا ومؤثرا، “يسري ويرسي” في ذهن المراهقين والشباب الجدد، لعدم معرفتهم بتفاصيل الماضي.

ان التطرق لهذا الموضوع اصبح ضرورة في ظل قضم فريق معين، تاريخ فريق آخر، فإن تلكأت الذاكرة، ساد “التزعبر” والتزوير، فكيف ان غابت لدى من لم تكن لهم المقدرة على مواكبة تلك الحقبة؟!

فلنقولها كما هي، يدرك الجميع ان بشير الجميل المنتسب الى حزب الكتائب اللبنانية، صاحب فكرة توحيد البندقية المسيحية، خرج بخلاصة بالاتفاق مع الاحزاب المسيحية في ذلك الزمن تقضي بإنشاء منظومة عسكرية لتكون الذراع العسكرية للجبهة اللبنانية، تتألف تلك المنظومة من عسكر مجموعة الكتائب اللبنانية، الاحرار، التنظيم، وحراس الارز، على قائد القوات اللبنانية ان يكون كتائبيا حصرا، ونائب القائد من الاحرار، الى هنا لا خلاف سوى التأكيد على ان القوات لم تكن حزبا انما تنظيما عسكريا بقيادة المكتب السياسي الكتائبي.

وللتثبت، كان قد نبه مؤسسها البشير بالصوت والصورة ان سبب تأسيس القوات اللبنانية تنظيمي وتحضيري تحسباً لتحديات عسكرية كانت تحيط بمسيحيي لبنان وليس لاقامة حزب جديد او انتخابات مختار او بلدية الخ..

وعند انتخابه رئيساً للجمهورية وفي اطلاته الاعلامية اعتبر القوات اللبنانية جهازا كتائبيا وجل كلامه كان في اتجاه العمل على حل هذه القوى وإعادتها إلى احزابها او ضمها إلى الجيش اللبناني وهذا كان هدف تعيين قائد القوات اللبنانية فادي فرام ومن بعده فؤاد أبو ناضر. هذه حقيقة موثقة بالصوت والصورة، لا تحتمل التقويل ولا المزايدات، بشير الجميل الكتائبي، قائدا للمنظومة العسكرية المؤلفة من عدة احزاب والتي لم تكن يوماً حزباً.

الى هنا لا خلاف، حتى اغتيل القائد فخامة الرئيس بشير الجميل عام 1982، استلم القائد فادي افرام، من بعده القائد فؤاد ابو ناضر، وصولا الى ايلي حبيقه، الذي اخذت القوات معه تستقل تدريجياً عن المكتب السياسي الكتائبي حتى ان التسمية تغييرت من قائد القوات الى رئيس الهيئة التنفيذية، في محاولة من حبيقة لتشكيل كيان جديد له استقلاليته في القرار، وبعد عدة انتفاضات على قيادتها الشرعية وتقاتل بين المنتفضين انفسهم وبعد ان استتب الوضع للدكتور جعجع الذي لم يكن من مؤسسي القوات اللبنانية، دخلت الاخيرة التي اصبحت تحت سيطرته في صراع دموي مع وحدات الجيش الموالية لرئيس الحكومة العسكرية ميشال عون بين 1989 و 1990، ايضا الى هنا تاريخ لم اكتبه انا ومتفق عليه من قبل الجميع.

في عهد الدكتور جعجع، كانت القوات قد تغيّرت كليا وتخلّت عن هدفها وموضوعها الذي وضعه وليم حاوي و بشير الجميل عند تأسيسها وكما تغيّرت هيكليتها، ولم يبق منها سوى الاسم، الى ان تأزم الوضع وانتقل الجميع الى الطائف الذي وبعده سلّمت القوات سلاحها وانتهت.

هنا يكمن الخلاف، فالقواتيون الجدد المنتسبون الى الحزب، ينكرون او يتهربون، من ان رئيس هيئتهم التنفيذية، وبعد تسليمه سلاح القوات بعد الطائف ورغبته الشخصية الاستمرار في العمل السياسي، بعد الانتهاء من عمل المنظومة العسكرية التي حاول تسييسها، لم يبق له سوى خيارين، مشى بهما بالتساوي، فقام بتأسيس جمعية جديدة تحت اسم “حزب القوات اللبنانية” تيقناً منه الدور الذي لعبته المنظومة العسكرية التي سميت القوات اللبنانية نسبة للجبهة اللبنانية في السابق وتاريخها، فأخذت “علم وخبر” تحت رقم 178/أد تاريخ 10/9/1991، وفي الوقت عينه، اعترف ضمنيا الدكتور جعجع ان الحزب السياسي الذي كان ينتمي له حصرياً هو الكتائب اللبنانية الذي عاد اليه مقدماً ترشيحه الى رئاسة الحزب عام 1992 التي خاض فيها اشرس معركة انتخابية داخل اروقة البيت الكتائبي في الصيفي ضد رفيقه الدكتور جورج سعاده، الذي فاز على جعجع بفارق صوتين فقط لا غير.

بعد خسارته في الكتائب، قرر جعجع المضي بالحزب الجديد، الا ان جهوده وتحضيراته تعرقلت بعد ان تم اعتقاله مدة 11 سنة، ليخرج من بعدها ويعاود نشاطه في استكمال مشروعه، ولكن لان الحزب لم يرتبط  تاريخياً بالتنظيم العسكري، لم يؤسس مع جعجع سوى قلة قليلة من رفاقه، اما القادة فتراهم اما عادوا لاحزابهم الأم او انتقلوا الى أحزاب جديدة أخرى تماماً كما فعل الحكيم.