//Put this in the section

مهاجمة الحوزة هي أهم حركة رمزيّة ضد النظام الإيراني منذ سقوط الشاه

جهاد الزين – النهار

مع أنها ليست المرة الأولى التي تحدث هذا العام، فإن تجدد هجوم متظاهرين على حوزة دينية في مدينة إيرانية (غرب طهران)، والحوزة هي الاسم المتداول لمدارس تخريج “علماء” الدين الشيعة في كل البيئات الشيعية في العالم، يعتبر أكبر عمل رمزي ضد النظام الديني الإيراني منذ سقوط شاه إيران بل منذ تأسيسه عام 1979.




ليس أعلى، رمزياً، خلال 39 عاما على قيام النظام الإيراني بكل الجلبة والتأثير العميقين اللذَيْن أحدثهما في العالم، من أن يبدأ متظاهرون إيرانيون بالهجوم على الحوزات الدينية، الرمز الأول للنظام الديني، بل الأدق لنظام رجال الدين في إيران.

في الحوزة، ولو كانت مؤسسة قديمة، شكلاً، لدى الشيعة، وبالنتيجة لدى كل المذاهب المسلمة مهما اختلفت تسمية المدرسة الدينية، في الحوزة تتجمّع كل الرمزية الشرعية للنظام الإيراني حيث يتخرّج كوادر النظام الدينيّون والمدنيّون، مهما ذهبوا إلى مواقع واختصاصات إدارة الدولة والمجتمع.

رمزية (رمزية) الهجوم “الشعبي” (وهو شعبي ولو كان بالمئات بل حتى بالعشرات) على الحوزة تختلف أهميّتُه عن الهجومَ على مسجد أو حسينية قياسا بما يعنيه نظام رجال الدين في إيران.

الحوزة ليست مكانا مقدّسا مثل المسجد أو النادي الحسيني أو المقام الديني. المكان المقدّس يعني الناس في أي نظام سياسي كائناً ما كان. إذن لسنا هنا أمام هجوم على رموز دينية مقدسة، بل سياسيّا بالهجوم على الحوزة، أمام ضرب أو مواجهة لمؤسسة شكلية شديدة الأهمية منها يخرج ويتخرّج الفقيه في نظام ولاية الفقيه، أي ولاية رجال الدين على الدولة والمجتمع.

لذلك هذه الرمزية التي تحملها عملية الهجوم على الحوزة بل تكرار ذلك هذا العام يعني دون لبس موقفا ليس فقط لأجل الديموقراطية كما حصل في عام 2009 وليس تحت سقف الأزمة المعيشية التي تساهم فيها موجة الجفاف، وقد توقّع فرنسيس فوكوياما قبل أشهر تأثيرا سياسيا انتفاضياً لهذه الموجة البيئية، بل باتت تتوجه ضد المضمون الديني للنظام نفسه.

إنه النظام رمزيا، على بساط البحث داخل إيران مباشرة للمرة الأولى منذ قيامه. أقول أكبر حدث رمزي ولكن لا يعني ذلك، مطلقاً، أن النظام بات على شفير الهاوية. ما زال لدى النظام الإيراني الكثير من الأرصدة، الكتلة الأقلية بمئات الألوف المنظَّمة، القدرة على تحريك جمهور أوسع أقلّي أيضا في بلد عدد سكانه يتجاوز الثمانين مليوناً، القوة الأمنية والبوليسية، طريقة الإيرانيين كدولة – أمة في التوازن بين التغيير والتماسك الوطني. لكن المستقبل من دون شك انفتح على نقاش شرعية النظام نفسه وبنيته، وهذان عنصران سيكون من السطحية بمكان اعتبار سياسة دونالد ترامب المحاصِرة لإيران هي التي فجّرتهما، لأن ذهاب النظام نفسه إلى الاتفاق النووي كان بسبب أزمة النظام وليس العكس. الأزمة قديمة والاستسلام النووي للنظام الإيراني في الاتفاق مع باراك أوباما كان نتيجة أزمة النظام. صحيح أن سياسة ترامب دفعت بعناصر تأزيم جديدة لكن المفارقة هنا، وخلافا للظاهر، ان قطيعة ترامب تعطيه كنظام فرصة انكفاء ومواجهة طويلين. وبهذا المعنى الاستراتيجي تؤخِّر بدء تغيير النظام.

بإلغاء ترامب للاتفاق النووي ومن دون إلغائه يواجه النظام الإيراني أزمة شرعية عميقة على المستوى الرمزي. هل يدفعنا ذلك إلى الموافقة على رأي روويل مارك غريشت وراي تقية في مقالهما الطويل الأخير في “الويكلي ستاندارد” (3-8-2018) أن المجتمع الإيراني هو حاليا المجتمع الأكثر علمانية في الشرق الأوسط؟

لا شك في أن عشرات ملايين الشباب والنساء في المدن الإيرانية يتطلّعون إلى نظام يتيح لهم التفاعل مع قيم الثقافة الغربية، ليس فقط في الشكل، بل في الثقافة والحياة العامة. لكن بالمقابل، هذا يجعلني أضع رأي تقية وغريشت تحت التحفظ النسبي. هناك الأرياف التي انكفأت أو بقيت فيها الثقافة الدينية قوية وأقلية منظمة في المدن لا يزال النظام قادرا على تحريكها وتشكل قاعدته السياسية.

إيران اليوم إيرانان: عشرات الملايين الشبابية من الطبقات الوسطى المدينية ذات النزوع الغربي الثقافي، وملايين الريفيين الأكثر انشدادا للثقافة المحافظة.

هنا تطالع المراقبَ ظاهرةٌ ملفتة في الشرق الأوسط، في الدولتين الكبيرتين، كل منهما كدولة – أمة، هما إيران وتركيا. في النظام العلماني التركي يقبض اليوم على السلطة إسلاميون، وفي النظام الديني الإيراني يتحوّل المجتمع نحو الثقافة الغربية، نحو العلمانية بمعنى ما.

ها هي صدمة المبالغة في التطبيق الديني إذن، تتعرّض خلال أقل من نصف قرن لما تعرضت له المبالغة العلمانية للشاه: الرد النقيض.

الوطنية الإيرانية، حتى في الجالية الإيرانية داخل الولايات المتحدة، ساعدت النظام تفاوضيا في الموضوع النووي. الوطنية الإيرانية لن تساعد النظام حاليا، بدليل التظاهرات، إلا في حالة واحدة، في ما أظن، هي إذا بدا في الأفق مشروع ما لتفتيت إيران وهذا ما يتجاوز تغيير النظام، كما ظهر في العراق.

الملاحظة الأخيرة اليوم هي أن أحداث إيران تؤكد تزايد الوضعية الانحدارية للإسلام السياسي الأصولي في المنطقة، بما فيه الإسلام الأصولي السني، حتى لو بدا رد فعل بعض الأصوليات أكثر عنفا وتوحشا. وهذا هو الاستثناء الذي يؤكد الظاهرة.