الحسيني يشرح أسباب عدم تطبيق اتفاق الطائف

اميل خوري – النهار

عندما استقال الرئيس حسيني الحسيني من النيابة وشرح أسباب ذلك في مجلس النواب، ثم أعلن عزوفه عن الترشح للنيابة شارحاً الأسباب في مؤتمر صحافي كأنه كان يتوقع أن يصير لبنان الى ما صار إليه اليوم من “تصليط” على الحقوق الى قيام حكم ميليشيوي وأفراده “مقاطعجية” على حدّ قوله.




لقد مرَّ ما يقارب 28 سنة على إقرار اتفاق الطائف ولم يرَ الحسيني “خطة مرحلية لتطبيقه ولا نية لدى السلطة الحاكمة بأمر الواقع منذ 1992، وهي تضرب بسيف نصوصه “كلما دقَّ الكوز بجرّة” مصالحها الشخصية، وتطعنه بسكين الاستنسابية في الوقت عينه، فكان نتيجة ذلك وطناً لا يشبه الأوطان ومواطنين جُرّدوا من حقهم في المواطنة ودولة سلخت من مؤسساتها لتصبح حفلات البحث العقيمة عن قوانين الانتخاب مشهداً مستنسخاً قبل موسم كل انتخابات نيابية”. ووصف نظامنا بأنه “ليس بالعاطل بل هو الأشبه بتركيبة لبنان واللبنانيين والأنسب لها، وهو النظام الذي يكرسه الدستور اللبناني للحكم، أي الحكم المدني كونه الأمثل وهو على صورة لبنان ومثاله. فلا توجد طائفة في لبنان تستطيع أن تحمي نفسها بنفسها، فتكوين لبنان قائم على حماية الكل للكل، والنظام الذي يؤمّن ذلك هو النظام الجمهوري الديموقراطي البرلماني فقط، والقصد من النظام البرلماني هو أن يجعل كل الشعب ممثلاً لأن جوهر الديموقراطية هو حكم الشعب للشعب من أجل الشعب”. وأشار الى أن دستور الطائف “نصَّ صراحة على النسبية ووضع قواعد واضحة للانتخاب. ونتيجة التنوّع وزَّع الطائف المقاعد النيابية بالتساوي بين المسيحيين والمسلمين لأن التضحية ليست بالعدد بل بكيفية الحفاظ على الكيان، ووزع المقاعد نسبياً بين طوائف كل من الفئتين ونسبياً بين المناطق الادارية (الأقضية). أما مواصفات قانون الانتخاب كما حددها الطائف فهي: قانون يؤمّن صحة التمثيل السياسي لشتى فئات الشعب وأجياله (18 سنة) وفعالية التمثيل”.

وأضاف الحسيني: “إن مَن يجادل بأن النسبية غير مذكورة في الطائف لا يفهم نوع النظام اللبناني، ولا يزال يتعاطى مع لبنان من بواب “المقاطعجية”، أي تقطيع المناطق وتحكيم البعض في كل منطقة مقابل دفع الجزية، فالتعاطي مع بلد مثل لبنان بهذا المفهوم هو ظلم حقيقي له”.

أما لماذا لم يطبق الطائف حتى اليوم، فيجيب الحسيني: “بينما كنا في معرض انهاء الاصلاحات الدستورية عام 1990 على أن تنفذ القوانين التطبيقية لهذه الاصلاحات ومن بينها قانون الانتخاب، حصلت مفاجأة اجتياح العراق للكويت (آب 1990)، وقّع لبنان معاهدة مع سوريا عام 1991، ودخل الجيش الشرعي في تموز وفي السنة ذاتها الى الجنوب ليسحب السلاح من الميليشيات اللبنانية وغير اللبنانية تطبيقاً للقرارات الدولية. ثم كانت مفاجأة بدَّلت الأولوية عند أميركا. فبدلاً من حل أزمة لبنان كمدخل لحل أزمة المنطقة، أصبح حل أزمة المنطقة بعد ضرب الترسانة العراقية وإخراج العراق من الكويت، فبات لبنان ضمن الحل وليس مدخلاً له. كما أصبح همّ أميركا عقد مؤتمر مدريد لحل قضية الشرق الأوسط. وتبدَّل أيضاً الدور السوري في لبنان، فبدلاً من مساعدته على حل الأزمة أصبحت (دمشق) تريد الإشراف على إدارتها… وكانت الترجمة العملية لذلك تسليم السلطة لميليشيات ما قبل الطائف عبر اجراء انتخابات سابقة لموعدها (عام 92 بدلاً من 94)، فصار انتخاب سلطة عنوة عن كل اللبنانيين. وهذا الحكم الميليشيوي يرفع اتفاق الطائف كعنوان ويحكم خلافاً له مدمراً قواعد هذا الاتفاق وهي: تنفيذ القوانين التطبيقية للاصلاحات الدستورية، وتحرير الأرض في الجنوب وتطبيق اتفاق الهدنة، وترسيخ العلاقات اللبنانية – السورية على قواعد ثابتة وواضحة في إطار سيادة واستقرار كل من البلدين بعد تعهدات دول العالم بتبنّي اتفاق الطائف وعلى أساس حل أزمة لبنان كمدخل لحل أزمة المنطقة.

وختم الحسيني بالقول: “إن ما يمنعنا عن تطبيق اتفاق الطائف هو السلطة نفسها المصرة على عدم اصدار القوانين التطبيقية الخاصة بالاصلاحات الدستورية لتأمين برلمانية النظام والمراقبة والمحاسبة”، وهو ما جعله يقدم استقالته من عضوية الملجس النيابي ويعلن عزوفه عن الترشح للانتخابات النيابية، ولا تزال أسبابها تصلح في كل مكان يشبه لبنان وكل زمان عاثت فيه الميليشيات فساداً وأزمات، وهذه هي مسؤولية الطبقة المالية المتحكمة والطبقة النقابية المعطَّلة، وهذا المشهد لم يعد قابلاً للاستمرار على حساب بقاء الوطن لأن حالة التواطؤ بين الميليشيات والطبقة المالية المتحكمة والطبقة النقابية المعطلة، كلفت الحكم استدانة أكثر من 120 مليار دولار، واعتراف السلطة ذاتها بأنها أصبحت بعيدة عن الناس وأعجز عن حل أي أزمة من الأزمات المتراكمة”.