//Put this in the section

أية دلالات لزيارة السنيورة غير المألوفة لعين التينة؟

ابراهيم بيرم – النهار

فجأة ومن خارج كل السياقات والاحتمالات، برز قبل ايام نبأ زيارة الرئيس فؤاد السنيورة الى عين التينة. ومع ان الخبر مرّ مرور الكرام ولم يحظَ باهتمام واسع، إلا ان ثمة معنيين بذلوا جهداً وهم يتقصّون أبعاد هذه الزيارة ويستشرفون آفاقها، وذلك انطلاقاً من اعتبارات ووقائع عدة في مقدمها:

– ان الرئيس السنيورة، وفق كل الاستنتاجات، بات “خارج الخدمة والادوار السياسية” مذ فقد مقعده النيابي بعدما آثر الانكفاء عن الترشح لهذا المقعد ليقينه بانه عاجز عن استرداده بعدما ضُمَّت دائرة صيدا الى دائرة جزين على قاعدة النسبية، فضلاً عن ان “عمليات الضم والفرز” التي جرت داخل “تيار المستقبل” في مرحلة ما بات يُعرف بـ”أزمة 4 تشرين الثاني” ارست معطيات فحواها ان الرجل وضِع خارج الخدمة السياسية.

– من الثابت ان السنيورة لم يحلّ ضيفاً على مقر الرئاسة الثانية متنكّباً مهمة وساطة سياسية تتصل بعملية تأليف الحكومة المتعثرة الولادة او سوى ذلك من الملفات الملحّة.

– من المعلوم للقاصي والداني ان ليس هناك اية علاقة مميزة بين الرئيس السنيورة والرئيس نبيه بري، لا بل ان رصداً سريعاً لمسار هذه العلاقة بينهما يقود الى استنتاج ان الكيمياء توشك ان تكون مفقودة بين الرجلين وسمتها التوتر والقطيعة والتباين.

وبناء على هذه الوقائع ألحف الراصدون في السؤال عن مغزى زيارة السنيورة وأبعادها، واستطراداً ما انطوت عليه من رسائل شاء الضيف ان يبعث بها من على منبر المضيف.

ومن البديهي ان الالحاف والالحاح ازدادا انطلاقاً من ان السنيورة نفسه ما اعتاد زيارات المجاملة وسؤال الخاطر.

اوساط قريبة من عين التينة أبدت دهشتها من ان هناك من يسأل عن هذه الزيارة ويعتبرها حدثاً يستوجب التوقف عنده، مشيرة الى ان الزيارة تندرج في خانة “غير الاستثنائية”، او على الاقل ليست من طبيعة سياسية تتعلق بشكل او بآخر بالاحداث والتطورات المتسارعة التي تشهدها الساحة السياسية منذ انتخابات ايار الماضي، وفي مقدمها عملية تأليف الحكومة العتيدة والعوائق التي ما انفكت تحول دون ولادتها.

لكن الاوساط نفسها لفتت الى ان السنيورة ابلغ الرئيس بري بشكل عابر عتباً ولوماً على تجدد الحملة الاعلامية – السياسية عليه مع كل مرة تمر فيها ذكرى حرب تموز عام 2006 مرفقة بتوجيه الاتهامات اليه والى حكومته آنذاك باتخاذ مواقف تجنح ضد “حزب الله” وتتبنى وجهة نظر اعدائه. ويتجلى ذلك من خلال تسريب محاضر لقاءات واجتماعات شهدتها تلك الايام السوداوية للسنيورة ولحكومته وهي بالاجمال غير دقيقة اطلاقا.

ليس خافياً ان الرئيس السنيورة هو من النوع الذي لا يكتم عدم محبته لـ”حزب الله” ماضياً وحاضراً، ولا يخفي اعتراضه الحاد على نهجه ورؤيته، فضلاً عن انه ليس من النوع الذي يتراجع عن مواقف سبق له ان اطلقها او يبدي ندماً عليها في يوم من الايام. فهو ما برح يعتبر انه لم يرتكب خلال ترؤسه لحكومتين متتاليتين اي خطأ او خطيئة تستوجب منه الاعتذار او الاعتراف بالذنب. لذا فان استنتاج المعنيين ان الرئيس السنيورة ما اختار الحضور الى عين التينة ولقاء الرئيس بري في الذكرى الـ 12 لحرب تموز وفي ذروة هجوم “حزب الله” المتجدد عليه وعلى دوره ودور حكومته في تلك الحرب، إلا ليوجه رسالة الى من يعنيهم الامر فحواها “انني لا أعبأ بهجومكم عليّ واتهاماتكم المتجددة لي، وانني ما زلت قادراً على التواصل مع اعلى قيادي شيعي في رأس هرم الدولة. والزيارة هي في ذاتها وفي هذا التوقيت نوع من الرد غير المباشر والمباشر في آن على كل كلامكم عني واتهاماتكم لي. واكثر من ذلك هي نوع من تبرئة الذمة لاسيما ان بري نفسه وصف حكومتي يومذاك بحكومة المقاومة الوطنية للاحتلال”.

ويبدو ان هذا الحدث المفاجىء وما انطوى عليه من اشارات خفية لم يمر من دون ان يسترعي انتباه “حزب الله” الذي لا تفوته شاردة او واردة. وعليه لم يكن امرا عابرا ان يبادر الحزب على لسان احد نوابه نواف الموسوي الى اطلاق مواقف بدا فيها الحزب كأنه يجدد عهد المواجهة الحامية والاشتباك السياسي الحاد بينه وبين السنيورة، مستعيدا كل مخزون خطابه العدائي ضده في هاتيك المرحلة الحرجة.

كلام الموسوي لم يرد في جلسة مغلقة او عبر منبر خطابي في بلدة ما، بل أتى في مقابلة تلفزيونية تضمنت تحليلا متناسقا ومترابطا، استُهل بالاشارة والتذكير الصريح بان الخطوة الثانية التي خطاها الحزب بعدما وضعت حرب تموز اوزارها، تجسدت في “شل حكومة الرئيس فؤاد السنيورة “. ويستطرد بان هذه الخطوة وجدت نهايتها في احداث 7 ايار عام 2008، مستنتجا بوضوح: “بكل فخر ان ما جرى في 7 ايار كان استكمالا لحرب تموز”.

زبدة كلام الموسوي “ان انتخابات عام 2018 كانت الضربة للتشكيل السياسي الذي قاد علينا الحرب الداخلية” (“المستقبل”، فريق 14 آذار).

والاستنتاج الاخير الحازم والذي لا يقبل اللبس للنائب الموسوي هو: “ان المقاومة اليوم مرتاحة لان ليس هناك احد يمكن ان يطل برأسه عبر المؤسسات الدستورية لطعن المقاومة”.

ومن البديهي ان هذا الكلام في هذه المرحلة يعبّر عن موقف مكثف جداً يختصر قراءة تحليلية عميقة لاحداث وتطورات جسام عمرها اكثر من عقد من السنين، ولكن يمكن تلخيصه بمعادلة بيّنة جوهرها: “اننا أمسكنا بزمام المبادرة بعد 12 عاما”.