ما هي رهانات العهد وحلفائه لمواجهة التباطؤ في استيلاد الحكومة العتيدة؟

ابراهيم بيرم – النهار

بعد أيام على ظهور نتائج الانتخابات النيابية في أيار الماضي وعقب تسمية غالبية اعضاء المجلس الجديد الرئيس سعد الحريري لمهمة تأليف الحكومة العتيدة، كان السؤال المحوري في لقاء حضرناه وشارك فيه ناشطون سياسيون وعدد من نواب “حزب الله”: هل في مقدور الرئيس الحريري العائد الى سدة الرئاسة الثالثة رغم كل ما اظهرته نتائج الانتخابات من تبدلات وتحولات، ان ينجح في استيلاد عاجل للحكومة ليكون له قصب السبق في خرق الصورة النمطية المعروفة عن الزمن الطويل الذي يحتاج اليه التأليف وعن كمية العوائق التي تحول دون هذا الهدف في وقت معقول؟ ام ان الامور ستسلك طريقها المعتاد: تجاذبات وحسابات معقدة لتولد الحكومة في عملية قيصرية صعبة للغاية؟ المفارقة انه حينذاك جنح القسم الاكبر من الحضور الى تبنّي فكرة ان مسار الامور الايجابي يبشّر بولادة عاجلة وطبيعية للحكومة الاولى لمرحلة ما بعد الانتخابات، وان العوائق تبدو أقل من اي وقت مضى.




المتفائلون إياهم وصلوا الى هذا الاستنتاج بناء على معطيات كانت تفرض نفسها في حينه استتباعا لما أرساه التفاهم الرئاسي من مناخات، الى مستجدات اخرى. وابرز هذه المعطيات: ان الرئيس المكلف يحتاج اكثر من سواه الى ان يعلن تشكيلة حكومة جديدة تشرع فوراً في مهمة التصدي لمعالجة الملفات المتراكمة والازمات المتوارثة، وذلك انطلاقا من اعتبارات عدة، في مقدمها ان النجاح في استيلاد عاجل للحكومة المنشودة يغطي تلقائياً على أمرين يعاني الحريري من نتائجهما وتداعياتهما. الاول ازمة “4 تشرين الثاني” الماضي، والثاني التراجع البيّن لتيار”المستقبل” وزعامة الرئيس الحريري في شارعه وفق نتائج فرز صناديق الاقتراع في الانتخابات، وهو ما اقر به الحريري نفسه.

فضلاً عن ذلك، ثمة عوامل اخرى محفّزة للحريري، منها بنود وموجبات التفاهم الرئاسي الشهير الذي ابرمه مع “التيار الوطني الحر” قبل ما يقرب من عامين، وتراجع حدة الاشتباك السياسي الطويل بين الحريري و”حزب الله” وظهور بوادر هدنة واعدة بين الطرفين.

أمر ثالث اعتقد اصحاب هذا الرأي انه من حوافز الولادة السريعة للحكومة، وهو ان كل اطراف اللعبة السياسية استشعرت من نفسها عشية الانتخابات التقصير حيال جمهورها، واعتبرت ان من شأن التأليف ان يقطع مع المرحلة الماضية ويفتح باباً آخر جديداً للوعود والآمال.

لكن ما عدا مما بدا حتى تبددت كل هذه المناخات الايجابية وسارت رياح الامور بخلاف كل هذه التوقعات وأخذت منحى سلبياً وظهرت تدريجاً عوائق بعضها لم يكن في الحسبان، دفعت كلها عملية التأليف نحو دائرة الازمة والمراوحة، خصوصا ان عملية التأليف تقترب من شهرها الثالث وعلى هامشها تنفجر صراعات تهدد بتجميد التفاهم الرئاسي وبسقوط “تفاهم معراب”، مما يوحي بامكان عودة الامور سيرتها الاولى، اي الى مرحلة ما قبل التفاهم الرئاسي وما اعتورها من انقسامات وصراعات حول كل الملفات.

في دوائر التحليل والقراءة لدى “حزب الله” ثمة استنتاجات تتبلور يوما بعد يوم وهي تنطوي على اجابات عن كل هذه الاسئلة، ابرزها:

– ان الحريري بدا اخيراً وكأنه آثر الانزياح تحت وطأة ضغوط داخلية وايحاءات خارجية الى قناعة فحواها ان المطلوب منه تأليف حكومة تعاكس نتائج الانتخابات النيابية وما افرزته من معادلات سياسية ومن تحولات في موازين القوى، بحيث تكون في احسن حالاتها على غرار الحكومة الحالية. وما يعزز هذا الاعتقاد ان الصيغتين اللتين قدمهما الحريري الى الرئاسة الاولى أتتا وفق هذا النحو مما استدعى رفضهما.

– ان الحريري في الضمن يراهن على ان التأخير في التأليف سيشكل ازمة للعهد من شأنها إن طالت ان تجبر العهد وحلفاءه في نهاية المطاف على الرضوخ للامر الواقع الذي يسعى الى فرضه.

– لكن الدوائر عينها بدأت تتحدث في الآونة الاخيرة عن انها تستشعر منذ اكثر من شهر ان الحريري ومن سار معه أرادها عملية عض اصابع، ورهانه ان الفريق الآخر هو من سيصرخ اولاً.

– لم يعد جديدا القول ان ثمة لقاءات عقدت في الايام الماضية بين ممثلين ومعنيين عن “التيار الوطني الحر” و”حزب الله” وقوى اخرى، تدارس فيها الملتقون الموقف من كل جوانبه واحتمالاته واتفق مبدئيا على “سبل المواجهة والرد على هذا التحدي القائم” عبر الآتي:

– ان الفريق اياه قد وطّن نفسه على اساس قبول التحدي والأخذ بالاعتبار ان هناك معركة عض اصابع حقيقية شاءها الفريق الآخر، كما وطّن نفسه على احتمال ان عملية استيلاد الحكومة ستكون طويلة.

– في الوقت عينه وجدت الرئاسة الاولى نفسها مضطرة الى التذكير بصلاحياتها ودورها في مقابل التذكير الدائم للرئيس المكلف بصلاحياته كونه المخوّل الحصري بتأليف الحكومة، فاعلنت انها لن توقع على اية صيغة لا تراعي نتائج الانتخابات والأحجام التي افرزتها، وانها ليست في وارد التخلي عن حصتها الوزارية على غرار ما حصل ابان العهود الرئاسية منذ عهد الرئيس الراحل الياس الهراوي.

– ان هذا الفريق لا يقف عمليا موقف المكتوف، بل هو شرع في خطوات مواجهة، منها مثلاً اعلان “التيار الوطني” تجميد “تفاهم معراب” رداً على “حملات” حزب “القوات اللبنانية”، الى الهجوم المضاد الذي اطلقه اخيرا رئيس الحزب الديموقراطي النائب طلال ارسلان. وتندرج في السياق نفسه عمليات الطرْق المتواصل لرئيس مجلس النواب نبيه بري على مخاطر التأخير في التأليف وتلويحه بامكان الدعوة الى جلسة عامة لمجلس النواب.

– ويبدو ايضا ان الرئاسة الاولى ليست في هاجس التأثير السلبي على مسيرة العهد من جراء التأخير في استيلاد الحكومة، اذ صارت في مناخ ان التأخير سلاح ذو حدود متعددة، يطاول الجميع وليس طرفا بعينه.

ووفق اكثر من معطى، فان الرئاسة الاولى وفريقها قد جمّدا الى اجل “مبادرات حسن النية والمساهمة” في تسوية الازمة، والتي كان آخرها لقاء النائب من تكتل “لبنان القوي” الياس بو صعب والوزير المحسوب على تيار “المستقبل” غطاس خوري.

باختصار ومع مطلع الاسبوع الجاري يبدو ان “لغة الكلام والمبادرات لتسهيل ولادة الحكومة” قد تعطلت، او بمعنى اقل سلبية قد انخفضت فيها الحرارة الى ادنى الحدود.