اميل خوري - النهار

الاعتذار عن عدم التأليف يكون حلاً إذا تم بالاتفاق… وإلا كان مشكلة – اميل خوري – النهار

لم يكن الرئيس المكلف تأليف الحكومة يعتذر عن عدم التأليف سواء قبل دستور الطائف أو بعده إلا عندما يعجز عن حلحلة عقد التأليف ولا يتفق حتى مع رئيس الجمهورية على حلحلتها، وعند اتفاقهما تصدر مراسيم تشكيلها وتكون الثقة بها مضمونة من أكثرية نيابية يمتلكها كل منهما. وكانت وتيرة تأليف الحكومات تجري غالباً بسرعة، وأحجام الحكومات وشكلها تتغير مع تغير الظروف. فهناك حكومات لم يتعدَّ عدد أعضائها الثلاثة أو الأربعة، فكان منها حكومات “أقطاب مصغرة” و”حكومة موظفين” و”حكومة انقاذ” و”حكومة اصلاح” و”حكومة شباب” وحكومة عسكريين وحكومة وحدة وطنية وحكومة “كل لبنان” موسعة، عدا عن حكومات انتقالية تتألف للإشراف على الانتخابات النيابية أو لملء فراغ دستوري. وكانت الحكومات الموسعة يطول عمرها لأنها تكون امتداداً لمجلس النواب بل اختصاراً له، فتنأى عن المحاسبة والمساءلة، وهو ما زاد في التساؤل عن أي نظام سياسي يحكم لبنان، فهو يميل حيناً الى الحكم الرئاسي، وحيناً آخر الى الحكم المجلسي أو الى حكم أمني، وكان لبنان يُحكم بحسب الأوضاع السائدة، الى أن كان نظام الطائف الذي حدد لبنان بأنه “جمهورية ديموقراطية برلمانية، الشعب فيه مصدر السلطات، وهو صاحب السيادة على أرضه يمارسها عبر المؤسسات الدستورية، والنظام فيه يقوم على مبدأ الفصل بين السلطات وتوازنها وتعاونها، وهذه السلطات هي: سلطة اشتراعية يتولاها مجلس النواب، وسلطة اجرائية نيطت بمجلس الوزراء مجتمعاً، وسلطة قضائية تتولاها المحاكم والقضاة. لكن مبدأ الفصل بين السلطات بقي مبدئياً، فلزوم التنسيق والتعاون في ما بينها أدى الى تداخلها. والسلطة التشريعية لم تبقَ حصراً في مجلس النواب الذي تنبثق منه السلطة التنفيذية، بل تحوّلت أحياناً الى ما سمّي “حكم الترويكا”. والسلطة القضائية لم تكن مستقلة لأنها لم تستطع أن تخرج من تحت وصاية السلطة التنفيذية. وبقي مجلس الوزراء وهو السلطة التنفيذية من غير نظام داخلي وصار الاكتفاء بتخصيص مقر خاص لعقد اجتماعاته، ثم صُرف النظر عنه وعادت الاجتماعات تعقد في القصر الجمهوري أو في القصر الحكومي. ومنذ بداية الانتخابات النيابية التي ينبثق منها مجلس نيابي يمثل إرادة الشعب كونه مصدر السلطات، لم تجر وفقاً لقانون ثابت يكون عادلاً ومتوازناً، بل كان عند كل استحقاق انتخابي قانون يعيد انتاج السلطة ذاتها ومفصلاً على قياسات تناسب الأوضاع السائدة ومصلحة الحكام. وكان عدد النواب يتغير من 44 الى 55 الى 66 الى 77 الى 99 الى 108 واخيراً وربما ليس آخراً الى 128. والانتخابات النيابية كانت تجرى مرة على أساس المحافظة، ومرة على أساس القضاء وبحسب كل منطقة. فالمحافظة كانت دائرة واحدة في منطقة، وفي منطقة تكون الدائرة مؤلفة من مجموعة أقضية. وفي منطقة تُدمج محافظتان في دائرة واحدة أو تقسم الدوائر بين صغيرة ومتوسطة وكبيرة بحيث يفوز نواب بأصوات عشرات الألوف أو بمئات الألوف. وهذا من شأنه أن يعطل إرادة الشعب الذي نص الدستور على أنه مصدر السلطات لتصبح السلطات هي مصدرها ولا مساواة بين ناخب وناخب.

لقد انتهت الجمهورية الأولى في لبنان بفراغ دستوري لعدم التمكن من انتخاب رئيس للجمهورية عام 1988، فبقيت الحكومة العسكرية الانتقالية الى ما بعد اتفاق الطائف. ولم تبدأ الجمهورية الثانية مع انتخاب أول رئيس بعد اتفاق الطائف، ولم تكن هذه الجمهورية أفضل من الأولى في إرساء دولة القانون والمؤسسات ولا في تطبيق اتفاق الطائف كاملاً بل انتقائياً. وتعذّر انتخاب رئيس للجمهورية مرة أخرى بعد انتهاء ولاية الرئيس ميشال سليمان إلا بعد مرور ما يقارب الثلاث سنوات، وقد حُكمت فيها البلاد بحكومات انتقالية موقتة صارت دائمة لملء الشغور الرئاسي الطويل الأمد، فصار ثمة من يطالب بإقامة جمهورية ثالثة علَّها تكون ثابتة.




أما الآن فإن الخروج من أزمة تأليف الحكومة يكون إما بالاتفاق مع الأحزاب والكتل، وإما بالاتفاق بين الرئيس المكلف سعد الحريري والرئيس عون، فتكون إما حكومة وحدة وطنية وفقاً لمعايير واحدة، وإما حكومة من غير النواب تطبيقاً لمبدأ الفصل بين النيابة والوزارة، وتكون الثقة بها مضمونة لأن أكثرية رئيس الجمهورية النيابية وأكثرية رئيس الحكومة تؤمنان هذه الثقة. أما اذا لم يتفقا على التأليف فإن الأزمة تصبح عندئذ مفتوحة على كل الاحتمالات، سواء رفض الرئيس المكلف الاعتذار أو عجز من سيخلفه عن التأليف بمواجهة الصعوبات ذاتها التي واجهت سلفه.

لذلك فليس سوى اتفاق عون – الحريري على تأليف حكومة تحظى بثقة أكثرية نيابية موالية للخروج من الأزمة لأن الاعتذار يكون حلاً اذا تم بالاتفاق ويصير مشكلة اذا لم يتم ذلك. فلا بد اذاً من الاتفاق لأن الوقت لم يعد يعمل لمصلحة أي منهما.