كيف للحريري أن يعيد التوازن في التأليف؟

روزانا بومنصف – النهار

على رغم التفاؤل الذي يبديه الرئيس المكلف سعد الحريري بتأليف الحكومة خلال اسبوعين، لم يفت المراقبين اعادة تاكيده لنقطتين برزتا توازيا مع هذا التفاؤل. الاولى انه هو من يشكل الحكومة والثانية هي ان موضوع عودة العلاقات مع سوريا يقرره مجلس الوزراء وحده. والموقفان موجهان على نحو مباشر في اتجاه وزير الخارجية جبران باسيل على خلفية موقف “ساخر” اعتمده باسيل من الحريري فيما هو في موسكو ومن ثم اعلانه خريطة طريق للتطبيع مع النظام السوري بمعزل عن موقف الحكومة ورئيسها. وفي هذه النقطة الاخيرة كما في ما سبقها من اليات يضعها ” حزب الله” و”التيار الوطني الحر” لعودة النازحين السوريين تنذر الامور حتى قبل تأليف الحكومة بان البلاد قد تكون متجهة الى مشكلة كبيرة في البيان الوزاري ومن ثم على طاولة مجلس الوزراء. اذ يتم تجاوز ” التوازن ” المطلوب عربيا وخارجيا في الحكومة المقبلة عبر استباق قدرة الحريري والافرقاء الذين يلتقون معه في هذه المواضيع على الاعتراض او على تغيير امر واقع يفرض مسبقا. وثمة من يقول في هذا الاطار ان المسعى الخارجي والضغوط التي تمارس على لبنان من اجل ان تتوازن الحكومة قد يتم تحميلها كلها اكثر مما تحمل لانه حين يتم الاقرار بسيطرة ” حزب الله” على الواقع السياسي يطرح السؤال عن اي توازن محتمل او ما الذي يمكن للتوازن المرجو في مجلس الوزراء ان يحققه خصوصا ان الرئيس ميشال عون يعطي مؤشرات عن الالتصاق استراتيجيا بالحزب والمحور الذي يمثل ولو افترق معه في مقاربات داخلية يسعى فيها الى فرض اعراف في صلاحيات رئيس الجمهورية او منح تياره السلطة المطلقة في كل مؤسسات الدولة. وليس خافيا ان هناك من يلوم الحريري ويعتب عليه لان الاداء الذي اعتمده وكذلك مقارباته للامور وفقا للاعتبارات التي قادته الى التسوية الرئاسية قد ساهمت جميعها في منح الطرف الاخر من التسوية هامشا كبيرا للاستقواء واعتبار المجال متاحا لاستعادة صلاحيات رسم حدودها اتفاق الطائف. وفي خلال شهرين تقريبا من مسار تأليف الحكومة حظي الرئيس الحريري بدعم من رؤساء الحكومات السابقين ومجلس المفتين وحتى من معارضيه من النواب السنة في موضوع عدم التساهل ازاء المس بصلاحيات رئيس الحكومة فيما توضع اطر مسبقة لتشكيله الحكومة كما لمسارها لاحقا. ولذلك فان السؤال الذي يطرحه البعض يتصل بما اذا كان الضغط الخارجي والداخلي يمكن ان يسفر عن توازن محتمل في مجلس الوزراء ام لا علما ان الامر لا يقتصر على عدد الوزراء فحسب؟




يقول سياسيون انه تتوافر للرئيس الحريري عناصر عدة في مصلحته الى جانب العناصر المذكورة سابقا تتيح له اعادة التوازن على القاعدة التي اعلنها اي انه هو من يشكل الحكومة. وهذه نقطة بداية مهمة اذا تم تنفيذها. فالخطأ الذي ارتكب من جانب قصر بعبدا في بيان الصلاحيات قدم له خدمة جلى اتاح لاركان طائفته اعلان مواقف حادة على هذا الصعيد دعما له ولانه اظهر عزما على نقض اتفاق الطائف وتجاوزه. ولا يمكن القول ان كلا من الزعيم الدرزي وليد جنبلاط ورئيس حزب “القوات اللبنانية” سمير جعجع بعيدان منه في ظل المواجهة القائمة مع التيار العوني وثمة من يقول ان الرئيس نبيه بري هو الى جانب الحريري الى حد كبير. وتاليا فان الظروف متوافرة من اجل ان يبدأ الحريري في اعادة التوازن ولو ان ذلك لا يخلو من صعوبات. فهناك اولا اذى يلحق بالبلد وبجميع اللبنانيين من التأخير في تأليف الحكومة لكن في اللعبة السياسية الجارية وعملية العض على الاصابع الرئاسة العونية ستتحمل مسؤولية كبيرة في ظل الرئاسة “القوية” الممسكة بمفاتيح البلد من التأخير خصوصا ان العقدة تمكن في رفضها حصص الاخرين وربما السعي الى تحجيمهم في حين يؤكد سياسيون ان ليس في الدستور ما يجعل الرئيس عون او يتيح له افضلية على الرئيس الحريري الذي يعود له وحده وفق الدستور تشكيل الحكومة في حين يقع على رئيس الجمهورية قبولها او عدم قبولها ليس الا كما لا يمكنه سحب التكليف الذي اعطي للحريري في الاستشارات النيابية الملزمة. اما لجهة الصعوبات التي يمكن ان يواجهها الحريري فان الجبهات لا يمكن ان تكون متعددة بناء على حكمة اعتمدها في التعاطي مع ” حزب الله” ابان هذه الحكومة حين دافع عن واقع ان للبنان خصوصيته ازاء تصنيف الحزب ارهابيا على الصعيدين الاميركي فالعربي وهذه الخصوصية ثبتت اكثر في نتائج الانتخابات النيابية ويرى سياسيون كثر انها مفيدة للحريري اذا شاء احداث توازن ازاء المحافظة على صلاحياته وعدم التساهل حيالها انما على ان لا تؤدي مواقفه الى دفع التيار العوني للارتماء في احضان الحزب فيربح الاثنان معا عليه. ومن هذا المنطلق ثمة مقاربة جيدة في رأي هؤلاء السياسيين يعتمدها الحريري تقضي بعدم افتعال مشكلات مع اي فريق لكن على ان يترافق ذلك مع ضرورة استفادته من الزخم المتعدد الذي مده بالدعم. ففي نهاية الامر تنعكس معركة تاليف الحكومة نجاحا او فشلا على اداء الحريري في الوقت الذي لا يخفى ان ثمة رهانا على مرونة يبديها في وقت من الاوقات لعدم اتقانه لعبة الانتظار كما يتقنها آخرون. ولا يفوت احد ان الانتظار مسيء لجميع الافرقاء خصوصا اذا تأخر تأليف الحكومة حتى اقتراب موعد انتهاء السنة الثانية من ولاية الرئيس عون الذي يعتبر ان حكمه يبدأ مع انطلاق الحكومة العتيدة.