//Put this in the section

انفجرت بين “أمل” وجميل السيد

ابراهيم بيرم – النهار

فجأة ومن خارج كل السياقات السياسية التي تشغل الرأي العام في البلاد، انفجر السجال حادا بين النائب اللواء #جميل_السيد من جهة، وحركة “امل” من جهة اخرى، اذ اطلق الاول كلاما تحدث فيه عن “شيعيتين”، الاولى شيعة الدولة وتجسدها حركة “امل” بجدارة واريحية، وشيعة المقاومة التي يقودها من دون منازع “حزب الله”. وعلى الاثر بادرت الحركة الى الرد بلسان نائبها الوحيد عن البقاع الشمالي الوزير غازي زعيتر، فسارع الاول(اي السيد) الى الرد على رد زعيتر قائلا: “ان بعض الصغار كانوا السبب في إضعاف حركة امل في البقاع وما زالوا”.




ودرءاً لمزيد من فضح المستور، سارع ” حزب_الله “، وفق معلومات توافرت لـ”النهار”، الى التدخل عبر مسعى وساطة بغية قفل هذا الباب السجالي المفتوح على احتمالات شتى.

واذا كانت المعلومات إياها ترجّح ان تكون جهود الحزب قد اثمرت تهدئة، فان ذلك لم يكن كافيا لوضع حد لموجة تساؤلات سرت تلقائيا عن الدواعي المباشرة وغير المباشرة الكامنة وراء انفجار هذا السجال المباغت، ولم يلغِ ايضا تأويلات وتحليلات مفادها ان هذا السجال، إن كُتب له ان يتوقف، فهو ليس إلا تأجيلا موقتا للمشكل الواقع بين الطرفين والذي سيعاود فتيله الاشتعال ولو بعد حين.

في الشكل، يبدو الامر كأنه “اشتباك عابر” محدود، وهو اولا واخيرا على غرار سجالات تشهدها عادة الساحات السياسية والطائفية اللبنانية، ولكن في الجوهر والعمق، الامر يتعدى ذلك ليغدو حدثاً من شأنه ان يلقي الاضواء على تجربة سياسية معقدة وبعيدة من الاضواء في الساحة الشيعية.

كثر راهنوا منذ اعلن “حزب الله” قبل نحو ستة اشهر على لسان نائب امينه العام الشيخ نعيم قاسم ان اللواء السيد سيكون المرشح الشيعي الوحيد المستقل على اللائحة المشتركة التي سيؤلفها الحزب مع حلفاء (“امل”، القومي، “الاحباش”…) لخوض السباق الانتخابي في البقاع الشمالي (بعلبك – الهرمل)، على ان تأتي لحظة ينفجر فيها المستور والمخفي بين اللواء السيد وحركة “امل”. اذ ربما ليس مجهولا لكثيرين ان قيادة الحركة حاولت بداية ثني الحزب عن المضي قدما في خيار ترشيح السيد. ونتيجة ذلك تخوف الحزب من ان ترد الحركة بحجب اصواتها عن اللواء السيد، فبادر الى التعويض عن هذا الاحتمال بتجيير أعداد اكثر من اللازم للسيد في خطوة وقائية لحمايته وتحصينه، وتمنع على الخصوم النفاذ عبره وتأمين نجاح شيعي آخر.

اذاً الكيمياء المفقودة بين السيد والحركة ورئيسها الرئيس نبيه بري قصة قديمة تضرب جذورها الى المرحلة التي كان فيها اللواء السيد رجل الامن القوي في لبنان، لاسيما بعد تسلمه مهمة المديرية العامة للامن العام. فضلاً عن ذلك فان “ازمة الثقة” بين الطرفين تفاقمت وتعمقت بعد سريان كلام في الاوساط السياسية المتابعة عن مرحلة إعداد وتحضير للواء السيد ليكون نائبا ثم وزيرا، وتكون خاتمة المطاف ايصاله مضمونا الى اعلى منصب شيعي في رأس هرم السلطة في لبنان، وهو المنصب الذي يشغله الرئيس بري منذ ربع قرن.

تلك هي باختصار بعض الخلفيات البعيدة غير المرئية التي تشكل بمجملها العوامل المفضية الى انفجار السجال، ولكن بطبيعة الحال يختزن الافق السياسي كلاما آخر عن اسباب مباشرة مستجدة قادت الى التعجيل في انفجار ما هو مؤجل، في واجهتها ان النائب اللواء السيد وضع نصب عينيه ان يكون له “دور وحصة” في لعبة التعيينات وآخرها سعيه الى تعيين محسوبين عليه في دورة لتعيين عناصر في قوى الامن الداخلي، ولكنه ما لبث ان اصطدم بعقبتين:

الاولى: حائط صد ممانع هو جدار الحركة التي ترفض الى اليوم التخلي عن دور ناطته بنفسها منذ نحو ثلاثة عقود وهو الاستئثار بكل الحصة الشيعية في كل الدولة من اصغرها الى اكبرها.

الثانية: تفضيل “حزب الله” النأي بنفسه عن اي مشكل مع الحركة على هذه الخلفية، اي انه لا يريد الدخول في منافسة مع الحركة في هذا المضمار، واستطرادا لا يريد ان يخسِّر الحركة هذا الامتياز الحصري، فضلاً عن ان فلسفة الحزب في مجال الخدمات والتوظيف والمحاصصة هي فلسفة خاصة تقوم على الحيلولة دون ان يجد نفسه يوما يؤدي دور “مكتب التوظيف والخدمات”، وهو يعي تماما انه دور يجعله يرضي شريحة ويزعل شريحة اكبر فيكون “الزعلان اكثر من الراضي”.

وفي الاجمال لم يحتج الامر الى اكثر من شهرين ونصف شهر (مدة اجراء الانتخابات) لتتيقن شخصية مثل النائب السيد من ان وجوده كنائب شيعي وحيد مستقل (باستثناء نائب الصدفة الآخر) يقدم نفسه انه خارج الكتلتين الاكبرين في الساحة الشيعية، لا يبيح له أخذ مساحة ليؤدي دورا اكبر مما هو محدد له سلفا. فهو بالنسبة الى الحزب أُتي به ليشغل موقعا نيابيا خصصه الحزب بناء على حسابات دقيقة للمستقلين او الحلفاء، لذا كان يوما ما للرئيس حسين الحسيني ثم اعطي لمرة واحدة للقيادي البعثي المخضرم عاصم قانصوه، واستقرت الحسابات اياها اخيرا ان يعطى للواء السيد بهدف مزدوج هو ارضاء الحليف الاقليمي من جهة والرد بمفعول رجعي على “تيار المستقبل” الذي يناصب السيد العداء. اما بالنسبة الى حركة “امل” فالامر مختلف، فهي كما صار معلوما في البقاع الشمالي في موقع المفروض عليه ان يقبل بما قسَمَه الطرف الاخر له وليس له حق الاعتراض وقد اذعن اخيرا.

وعليه تبدو المشكلة بالاساس هي عند اللواء السيد الذي ربما خال لبعض الوقت ان تاريخه ودوره وموقعه تبيح له الذهاب في رهانات اكبر، فالوقت لا يسمح والمرحلة لا تبيح.

وربما لم يكن النائب السيد موفقا كثيرا عندما شاء ان يساجل حركة “امل” من موقع تضاؤل حضورها الشعبي وخصوصا في البقاع، وهو ما تجلى اكثر ما يكون في الانتخابات الاخيرة. فالامر لا يبدو انه يشكل لها عقدة نقص، بل هي تدركه كما الجميع، وقد تساكنت معه لانها في العمق تدرك ان ذلك لا يحول دون حصولها على كتلة نيابية من 16 نائبا، فضلاً عن رئاسة مجلس النواب.