//Put this in the section

عن منى المذبوح.. وعن أي مذبوح

سعد القرش – العرب

“المذبوح” اللاحق باسم السيدة في العنوان ليس صفة، ولكنه لقب صار لعنة، فما أقسى حكما بسجن اللبنانية منى المذبوح، عقابا على “الجهر بالسوء”، متجاهلا اعتذارها عن حماقة كلّفتها سنة سجنا عن كل دقيقة في مقطع فيديو مثقل بالانحطاط، وما كانت الإساءة الإلكترونية تستأهل أكثر من حرب كلامية عابرة تستغرق يوما أو بعض يوم، في الفضاء الافتراضي، وتغني عن إدخال مصر الكبيرة طرفا في خصومة توحي بأن البلد القديم هشّ وقابل للكسر.




بدأ الأمر بأذى قالت المرأة إنها تعرضت له، ومن موقع الضحية انفجرت في وصلة قذف وسب للشعب المصري، واتهمته بالتحرش والسرقة والنفاق الديني، وتسلحت بمخزون الردح السوقي المدعوم بألفاظ منتقاة من قاع القاع. ولكنها لم تذع هذا “السوء” على عموم الناس، وإنما أتاحته لأصدقاء عددهم 25 في صفحتها. وإلى الآن يظل لمقطع الفيديو صفة الخصوصية، ولكن “صديقا” بثه في موقع يوتيوب، كما يسرق لص مادة فيها كل الموبقات كتبها أحدهم، واحتفظ بها في مكتبه، ولم يُذعها على الناس. ولو خلصت النية لأمكن تتبع مصدر السرقة، ومحاكمة منتهك الخصوصية على خيانته للأمانة، ولكن النيابة وجهت إلى المرأة ثلاث تهم هي “بث شائعات تمس المجتمع، وصناعة ونشر محتوى خادش للحياء العام، والتعدي على الأديان”، وأحالتها في 3 يونيو 2018 إلى محاكمة عاجلة، فصدر حكم بسجنها في 7 يوليو 2018.

بعد إذاعة المقطع المسيء، سارعت المرأة إلى الاعتذار. ولو كانت تضمر سوء نية لتدبرت عاقبة السباب، وانتظرت حتى تغادر مصر، وتسجل هذا الابتذال، وتذيعه وهي آمنة من القبض عليها، وغاية الأمر أنها ستُمنع من الدخول مستقبلا. ولا يضطر كاره لمصر إلى القدوم، وهي في الاعتذار أبدت محبة لمصر، وبدا أن هنا إصرارا على رفض الاعتذار، وكان قبوله يسهم في إشاعة ثقافة مفقودة في عالم عربي يعيش على المكابرة، وخصوصا أن المعتذرة لم تلوث ماء النيل، ولم تئد ابنتها بدفنها حية في بطحاء مكة. فما القربان الأكبر من الاعتذار العلني لكي تُقبل التوبة؟

هناك قضايا تتلقفها سلطات البلاد المبتلاة بالفقر والجوع ونقص من الأموال وسعة في الاستبداد، وإذا غابت هذه القضايا فما أسهل افتعالها، بإخراجها من الأضابير، كما حدث باستدعاء دعابة صادقة قالتها مطربة ينقصها الذكاء عن تلوث نهر النيل بالبلهارسيا، وأعيد تسخين جملتها المحفوظة في الثلاجة إلى حين، فلم يكن وقت التصريح مناسبا لتوجيه اتهام، فتأجل إلى مارس 2018؛ لإلهاء الناس عن أمر آخر. ويبدو أن اللهفة على محاكمة المرأة اللبنانية المسيئة لا تنطلق من اتهامات تعرفها “كل” امرأة مصرية تمشي في الشارع وتعاني التحرش، وإنما لذكر اسم عبدالفتاح السيسي مقترنا بالظلم، وأن المصريين “يستاهلوا… أظلم من السيسي”. لعل هذا فصل الخطاب، وهو كلام يقال في البيوت والطرقات ووسائل المواصلات ودوائر أكثر اتساعا من 25 “صديقا” بينهم خائن يذيع سرا لامرأة.

أستعيد هنا وقائع جرت وتجري لرؤساء “دول” ليسوا آباء لمواطنين، ولا رؤساء لعشائر، ولكنهم انتخبوا لفترات محددة تنظمها الدساتير، مقابل أجر شهري، ولا تخوّل لهم المناصب حق التماهي مع الدولة. ففي سبتمبر 2016، قال رئيس الفلبين رودريجو دوتيرتي إن الرئيس الأميركي آنذاك باراك أوباما “ابن عاهرة”. لم يحتفظ بالكلام بين 25 من أصدقائه، بل ذكره في مؤتمر صحافي قبل التوجه إلى لاوس لحضور قمة مجموعة دول جنوب شرق آسيا، وهدد بتمريغ باراك أوباما “في الوحل مثل خنزير”. ولم تستنفر صحف أميركا وإذاعاتها وفضائياتها لإنقاذ سمعة الرئيس/ الدولة، فتمادى دوتيرتي وقال بعد شهرين إن الأميركيين “قردة أغبياء”. وكل ما فعله أوباما أنه ألغى اجتماعا مع دوتيرتي، ولم يحرض الأميركيين على التعبئة العامة انتقاما لإساءة من الذكاء تجاهلها.

ليس التنادي الأميركي الغائب قاصرا على “إسـاءات” خـارجية إلى الـذات الرئاسية، فالرئيس دونالد ترامب أكثر رئيس أميركي يناله سب وقذف من أميركيين يصفونه بالغباء والحماقة وألفاظ أخرى لا يرتعش منها مجتمع تجاوز الحالة العشائرية. ويتجاهل الرئيس الأمر، وقد يجد وقتا للرد بتغريدة على اتهامات ميريل ستريب، فيقول إنها ممثلة “مبالغ في تقديرها”.

في توالي نوبات الإحباط وخيبات الأمل منذ ثورة 25 يناير 2011، نسي الناس مصائر قتلة الشهيد خالد سعيد، وقد عُذّب ومُثّل بجثته، وهما تهمتان لا تسقطان بالتقادم. وقال شاهد إن الشاب استعطف الشرطي وهو يضرب رأسه: سأموت. فلم يرحمه، وأصبح خالد سعيد أيقونة الثورة، بملامح تحتفظ ببقايا طفولة، ثم بصورته ممثلا به، مشوها على مقاس تشوه نفسي لوحوش الشرطة. وبعد مسلسل يدعو لليأس من عدالة ناجزة، حكم على القاتليْن، بالسجن عشر سنوات، في مارس 2014، وطعنا المتهمان على الحكم، فأيدته محكمة النقض في مارس 2015، ليصبح نهائيا.

أربع سنوات للقصاص للمذبوح الشهيد، وشهر للقصاص من منى المذبوح التي نالتها أيضا تهمة “التعدي على الأديان”. ولا أتصور دينا إبراهيميا أو أرضيا يسوؤه مقطع فيديو أو غيره، ولو تضمن إنكارا لوجود الله وطعنا في رسول وتشكيكا في رسالة. وكانت المحكمة العليا الأميركية قررت عام 1998 أن على الحكـومة ألا تدعم الفن الذي يعتقد أنه مناف للآداب، بعد جدل حول حق مؤسسة دعم الفنون الأميركية في دعم إقامة معـرض للفنـان الأميركي آندريه سيرانو يتضمن صورة مسيئة للسيد المسيح.

أعود إلى سيرة الدكتور عبدالوهاب المسيري فأجده في صفحة 199 يستعرض “مظاهر التحرر من الحدود الإنسانية” في الفن الحديث، ويستشهد بلوحة لآندريه سيرانو يصور فيها صليبا مغموسا في البول. ولم تهزّ اللوحة ثقة أي مسيحي بعقيدته، تصرف المسيحيون باطمئنان المؤمن من دون علم بأن في القرآن الكريم دعوة صريحة إلى الإعراض عن “الذين يخوضون في آياتنا”، مجرد إعراض يحرم الأحمق من شهرة لا يستحقها.