هل تصمد المصالحة المسيحية اذا سقط تفاهم معراب؟

سابين عويس – النهار

عندما خرج رئيس “التيار الوطني الحر” الوزير جبران باسيل ليرد على كلام رئيس حزب “القوات اللبنانية” بعد لقائه الرئيس المكلف في “بيت الوسط”، بأن اتفاق معراب سقط، حرص على التأكيد أن سقوط الاتفاق لا يعني سقوط المصالحة، في محاولة للفصل بين المصالحة والاتفاق، بعدما فشلت تجربة التعاون بين “القوات” والتيار على مستوى السلطة وتوزع المسؤوليات والفرص والحصص على السواء.




لم يمر كلام باسيل مرور الكرام، بل تفاعل سلبا ليطرح اكثر من علامة استفهام حول المفاعيل المترتبة عليه، خصوصا ان الفصل بين المصالحة المسيحية والاتفاق غير قابل للحياة، بل على العكس، فإن سقوط الاتفاق لا يهدد مصير المصالحة فحسب وإنما يسقطها بالضربة القاضية، لسبب جوهري يكمن في ان بنود الاتفاق هي ترجمة للمصالحة ولحسن النيات في التعبير والممارسة السليمة لمعاني المصالحة. إذ كيف تقوم مصالحة بين فريقين اذا لم يكن التفاهم بينهما على المواضيع الخلافية قائما، وفق ما تسأل مصادر “قواتية” مطلعة، مضيفة انه لا يمكن تجزئة المصالحة، فإما تؤخذ قطعة واحدة واما لا، ومنطق العمل بـ”القطعة” غير مفيد وغير مثمر.

يُبرز الاداء السياسي لطرفي المصالحة ان التفاهم لم يكن محصنا كفاية ليصمد امام اختبارات السلطة. وقد جاءت محطات سياسية عديدة لتعزز هذا الواقع. من حكومة العهد الاولى التي سجلت “القوات اللبنانية” تحفظات كثيرة عما وصفته بمحاولات تهميشها، الى الاستحقاق النيابي الذي فشل الفريقان الاقوى على الساحة المسيحية في التحالف على العناوين السياسية الكبرى فيه، فيما اقتصرت التحالفات حيثما وُجدت على حسابات انتخابية لا اكثر، وصولا الى اختبار تشكيل الحكومة الثانية، التي رغم حرص رئيس الجمهورية على وصفها بحكومة العهد الاولى، لم يوفر الفريق السياسي الذي ينبثق منه سيد العهد اي فرص لتسهيل ولادتها تنفيذا لشعار عون القائل بأنه “بيَ الكل”.

وعليه، بات واضحا ان العقدة الاساسية التي تقف عائقا امام تسهيل تشكيل الحكومة باتت في الملعب المسيحي. ويقف الفريق المسلم بشقيه السني والشيعي متفرجا في انتظار بت الخلاف المسيحي على الحصص والاوزان!

حتى الآن، ورغم الاجواء الايجابية التي تحرص اوساط “القوات اللبنانية” على اشاعتها حيال الملف الحكومي، كما حيال تفاهم معراب، ورغم اللقاء الذي وُصف بالايجابي بين موفد “القوات” الوزير ملحم الرياشي ورئيس الجمهورية، فإن هذه الاجواء لم تبلغ مرحلة عملية يمكن ترجمتها على مستوى العلاقة بين الفريقين. وفي رأي مصادر مواكبة لحركة الاتصالات، ان لقاء عون-الرياشي الذي يشكل التواصل الوحيد بين الجانبين، قد ينجح في تذليل العقد امام التأليف، لكنه لن يكون كافيا لتنفيس الاحتقان والتشنج القائم بينهما، خصوصا إذا ما وُضع اللقاء في إطار لقاء طرف سياسي برئيس الجمهورية وليس بالمؤسس والزعيم الفعلي لـ”التيار الوطني الحر”. ومبرر هذا الكلام في رأي المصادر، ان اللقاء هو الوحيد الذي حصل بين الجانبين، فيما التواصل مقطوع منذ فترة حتى على مستوى مهندسي التفاهم، الرياشي والنائب ابرهيم كنعان الذي أوضح لـ”النهار” ان “المصالحة تحققت ولا عودة الى الوراء والتواصل غير مقطوع خاصة مع الوزير الرياشي، ولكننا بحاجة الى اعادة تقييم الفترة السابقة لتحديد مكامن الخلل التي اعترت التطبيق بهدف الوصول الى قراءة مشتركة لبعض النواحي السياسية المتعلقة بالاتفاق”.

يتشبث كل فريق بمآخذه على الفريق الآخر، واضعا مسؤولية نقض التفاهم عنده.

فرئيس الجمهورية، كما تياره السياسي يضعان اللوم على “القوات” التي “تدعي انها عرابة العهد، فيما أداؤها لا يصب في هذا الاتجاه”.

وتأخذ “القوات” على التيار، وعلى رأسه رئيس الجمهورية، عدم التزام ببنود تفاهم معراب. وقد جاء الكلام المنسوب اخيرا الى عون خلال لقائه الرياشي، وفيه ان حصة “القوات” يحددها حجمها النيابي وليس اي اتفاق آخر، لينقض أبرز بنود التفاهم.

وعليه، فإن “القوات” التي تعمل حاليا بتوجيهات قائدها القاضية بتهدئة النفوس وتجنب التصعيد، تضع مصير المصالحة في عهدة رئيس الجمهورية، مراهنة على مبادرات منه تترجم حرصه على عدم سقوطها ضحية الحسابات والمصالح والمحاصصات، خصوصا ان جوهر المصالحة ومردودها على الشارع المسيحي يجب ان يكون اكبر من تلك الحسابات وأهمّ.