بهذه الخطوات أقنع حزب الله روسيا بأن انسحابه وحلفاءه من سوريا أمر غير وارد

ابراهيم بيرم – النهار

في الايام القليلة الماضية بات “حزب الله” يقيم على قناعة فحواها انه نجح الى حد بعيد في استيعاب حملة الضغط الشرسة عليه والهادفة الى سحب وحداته النخبوية المقاتلة من الميدان السوري، واستطراداً طي هذه الصفحة ومعانيها السياسية والاستراتيجية دفعة واحدة.




وليس خافياً ان الحزب نفّذ في سبيل هذا المقصد حملة وقائية مضادة بغية سحب هذا الموضوع من التداول من جهة، وارساء قاعدة راسخة جوهرها ان لا مجال اطلاقاً لفتح باب الأخذ والرد حيال هذا الامر من جهة اخرى.

ذروة الحملة المضادة تلك للحزب ومحوره تجلّت في الكلام الذي اطلقه قبل اقل من 48 ساعة الرئيس السوري بشار الاسد واضطر فيه الى الاعلان عن ان المعركة في ساحة بلاده ما برحت طويلة، وان الحاجة الى الحزب لم تنتفِ بعد. وليس جديداً ان كلام الاسد أتى عبر قناة “العالم” الايرانية الناطقة بالعربية، مما يعني ان الكلام مقصود وهو رسالة في أكثر من اتجاه.

هذا التشريع الرسمي السوري المتجدد للوجود العسكري للحزب في الميدان السوري سبقه كلام متماهٍ لأمينه العام السيد حسن نصرالله، جدد فيه التأكيد ان الحزب ليس في وارد الخروج من الميدان الذي يقاتل فيه بضراوة منذ اكثر من ستة اعوام، وان أمر انسحابه منه عائد الى تقدير القيادة السورية. فاذا هي رأت ان أوان الخروج قد حان فالحزب لن يتأخر في العودة الى قواعده، فهو كما دخل بدعوة من القيادة في دمشق فانه جاهز للخروج بارادتها ايضا.

وعليه، فان كلام الاسد يُعدّ بمثابة تناغم جليّ مع كلام نصرالله يجبّ ما قبله ويحسم كل اللبس ويرد على دعوات سرت بهذا الخصوص انفتحت معها ابواب التكهنات والتأويلات عن امكان تسوية وشيكة ترعاها خصوصاً القيادة الروسية، ومختصرها: سوريا خالية من الوجود الايراني والقوى المتحالفة مع طهران وفي مقدمها بطبيعة الحال “حزب الله” في مقابل وقف الهجمات الاسرائيلية المتتالية على اهداف في سوريا مقرونة بحملة ضغط وتهويل اميركية شاركت فيها عواصم عربية وغربية تدعو الى رحيل ايران عسكرياً عن سوريا.

ووفق قناعات تولّدت في بيروت لدى اوساط مقربة من الحزب وطهران، فان القيادة الروسية بلغت مرحلة الايمان الكبير بامكان التفاهم على صفقة التسوية هذه، او على الاقل ولجت مرحلة الاقتناع بالتجريب. لذا فانها (القيادة الروسية) انخرطت فيها عملياً من خلال المندرجات الآتية:

– فتح كل ابواب التفاوض والتحاور مع تل ابيب التي بادرت بدورها الى اعتماد سياسة العصا والجزرة، اذ رفعت من جهة منسوب غاراتها على اهداف متنوعة في سوريا، وتحديداً ايرانية، وشرعت مع واشنطن وعواصم اخرى في التركيز على مخاطر الوجود الايراني في الساحة السورية من جهة اخرى، وكونه عائقاً امام اي تسوية ممكنة، فيما كان المسؤولون الاسرائيليون يحملون الى موسكو عروض تسوية حيال الوضع في سوريا.

– ترافق كل ذلك مع اجواء مواجهة ازدادت ولا شك بعد انسحاب واشنطن من الاتفاق النووي مع طهران.

– في خضم كل هذه الاجواء التهويلية – الحربجية وتضخم الحديث عن احتمالات مواجهة تلوح نذرها، حطَّ الرئيس السوري بشار الاسد في المنتجع الروسي سوتشي وعقد محادثات مع الرئيس فلاديمير بوتين. لم تكن الزيارة عادية ولم تكن الاسباب التي استدعت خروج الاسد من عاصمته ومخاطر ذلك إلا استثنائية. ولاحقاً تبين ان فحوى الرسالة الروسية اقناع الاسد بالسير قدماً في التسوية المعروضة وبندها الاول جلاء ايران ومكونات محورها.

اذاً، ووفق المصادر اياها، فان الايرانيين والقيادة السورية و”حزب الله” قطعوا الشك باليقين وادركوا ان حليفهم الروسي بلغ مرحلة الاقتناع بضرورة الانخراط في هذه التسوية والنظر جديا في مندرجاتها واعتبارها قابلة للأخذ والرد. وما رفع من منسوب التوجس لدى هذا الثلاثي عملية الانتشار المفاجئة التي نفذتها وحدات عسكرية روسية في مناطق محسوبة على الحزب والايرانيين، وتحديداً في القصير والقلمون ومحيطهما قبل ان تبادر القيادة السورية المعنية الى تحرك سريع لجم التوتر الناجم عن هذا الفعل الروسي واعاد الامور الى نصابها بعدما سحب الروس وحداتهم تلك.

عند هذا المستوى من التباين استنتج الثلاثي اياه ان عليه اقناع الحليف الروسي بأن لا يمضي بعيداً في الرهان على امكان اقناعه بالسير معه في هذا الخيار ولو مقدار خطوة واحدة. لذا كان هذا الثلاثي مضطراً الى خوض حملة مضادة تقوم على الآتي:

– اعلان قاطع على كل مستويات القيادة الايرانية باستحالة التفكير بالانسحاب من الجغرافيا السورية.

– في الموازاة، كان “حزب الله” مضطراً الى اعادة تأكيد حضوره في الميدان السوري عبر اعادة القاء الاضواء على هذا الوجود (بث فيلم في رمضان عن وحدات من الحزب في عمق البادية السورية وهي تمارس مراسم رمضان، اي الافطار الجماعي والصلاة…)، ومن ثم التأكيد ان مهمة الحزب في الساحة السورية، استكمالاً او انسحاباً، هي رهن بموقف رسمي سوري.

– التأكيد ان النظام في دمشق لم يزل على الدرجة عينها من الاستعداد لمواصلة نهجه الهجومي وإن لم يتساكن بعد مع واقع ان ثمة مَن يقاسمه السيطرة على مناطق ومحافظات اخرى وخصوصا في الجنوب السوري. وقد تجلى ذلك في دفع المزيد من الحشود نحو مناطق الجنوب، فضلاً عن نصبه شبكات دفاع جوية متطورة فيها.

وبالاجمال، وخلال ثلاثة اسابيع نجح هذا الثلاثي في ايصال الرسالة الحاسمة الى موسكو، وفحواها انهم معا غير جاهزين اطلاقاً للسير في هذه الصفقة بقدم، وانهم لن يخطوا فيها بقلم، وبالتالي على روسيا اخذ العلم واعادة النظر. ووفق المصادر اياها فان موسكو اوقفت اندفاعتها وكبحت جماح المضيّ في هذه الصفقة.