//Put this in the section
علي حمادة - النهار

الحريري بين نعمة الحكم ونقمتها! – علي حمادة – النهار

بدءا من يوم الاثنين المقبل يفترض ان ينطلق قطار تأليف الحكومة بقوة، فبعد زيارة الرئيس المكلف تشكيل الحكومة سعد الحريري “العائلية” للرياض، يقلع القطار، وسط مناخات توحي ان التشكيل لا حاجة الى أن يطول كثيرا، وإن تكن المناورات التي عادة ما تسبق تشكيل الحكومات قد تزاحمت في المدة الاخيرة. ولكن الحريري يعرف انه حاجة اساسية في زمن انتزع فيه “حزب الله” وحلفاؤه الغالبية العظمى من مقاعد مجلس النواب. ومن هنا رغبة الحزب وحلفائه في الاستفادة من وجود الحريري الذي يمنع اضفاء صبغة قوى ٨ آذار بالكامل على الدولة، ومنحه هوامش أوسع لكي يشكل حكومة يكون مرتاحا الى تركيبتها، مما يساعده في متابعة مساعيه الحثيثة لاعادة ربط لبنان بالعالم العربي، واطلاق عجلة مؤتمر “سيدر” الذي يستحيل على اي شخصية لبنانية اخرى ان يسير بها في الاتجاه الصحيح. فلا “سيدر” من دون الحريري.

لكن هل الصورة التي رسمناها آنفا مجزية للحريري في مرحلة المخاطر الكبرى التي تلف الاقليم؟ طبعا ليست مجزية على النحو الذي يتمناه الرئيس المكلف، لانه كان يفضل ان تأتي نتائج الانتخابات مختلفة، وكان يفضل ان يكون المشهد السياسي اللبناني مختلفا عما رسا عليه بعد الانتخابات، من حيث تمكن “حزب الله” من الاستحواذ على الاكثرية في مجلس النواب. هذا هو الواقع، والحريري قرر ان يكون واقعيا الى أبعد حدود، فيتعامل مع الحقائق السياسية والميدانية التي تسود البلاد. هنا ربما قوته، وهنا ربما نقطة ضعفه على حد سواء. فكيف سيوفق ابن رفيق الحريري بين انزياح لبنان الواقعي نحو محور اقليمي تقوده طهران، وانتمائه العميق والاصيل الى المشروع العربي الذي يخوض حربا وجودية مع المشروع الايراني في اكثر من موقع في الاقليم؟ هذا سؤال طرح اكثر من مرة منذ التسوية الرئاسية التي جاءت بالجنرال ميشال عون الى سدة الرئاسة، وهو مطروح اكثر اليوم بعدما اصبحت الاكثرية في مجلس النواب مكونة من حلفاء “حزب الله”، وما بقي نظريا من القوى السيادية في “المؤسسة الام” سوى اقلية محاصرة وغير ثابتة!




الاشكالية هنا لا تتعلق بالمناورات التي باشرتها القوى السياسية الرئيسية لانتزاع ما امكن من الحقائب، عددا ونوعية، وانما بالاساس الذي يمكن اختصاره بالسؤال المركزي الآتي: من يحكم لبنان؟ هنا بيت القصيد، وهنا الاساس. أما السجالات المتعلقة بالحصص والحقائب فتبقى على هامش المعنى العميق للتسوية الرئاسية وما استتبعها من نتائج للانتخابات، وما ينتظر لبنان على المديين المتوسط والبعيد من تحولات هائلة متوقعة ستصيب عمق النظام والتركيبة والتوازنات الدقيقة.

قد تكون امام الحريري مهمة سهلة في التأليف، ومهمة أصعب في السياسة والبعد الوطني، وهو العارف اكثر من غيره ان “جنة الحكم” المجزية في العادة، قد تتحول من نعمة الى نقمة، وخصوصا اذا ما انطلق بالتوازي قطار آخر، هو قطار نقل لبنان من مكان الى مكان بقوة الدفع التي ولدتها التسوية الرئاسية والانتخابات النيابية الاخيرة، وقد اتت في يقيننا نتيجة طبيعية لها!