جمهور الدراجات في شوارع بيروت… من هم؟

شهدت الساحة المحلية بعيد الانتخابات النيابية، حالة من الاستنفار في شوارع بيروت نتيجة لتحرك مئات الدراجات النارية لا بل الالآف منها. ازعاج واناشيد حماسية استفزت سكان المناطق، ليتطور الأمر الى مشادات واشكالات متنقلة قابتلها عشرات الشائعات عن حالات وفاة ومقاطع من فيديو قديم لظهور مسلح وضع البلاد على المحك، وطرح السؤال عن هوية هؤلاء الأشخاص وكيف اجتمعوا؟ وهل هناك قرار مركزي بالاحتفال في شوارع العاصمة؟

مصادر حزب الله وحركة أمل رفضت الاتهامات بأن المناصرين قد قاموا بفعلتهم نتيجة قرار سياسي، وقالت إنها حركة عفوية تمت بطريقة غير مقبولة، وقد طلب من “الاخوة” الانسحاب من الشارع، فيما دعا الرئيس نبيه بري الاجهزة الأمنية إلى الاسراع بوضع حد للتفلّت الأمني، كذلك أُرسلت تسجيلات صوتية تطلب من الجميع الانسحاب، أكانوا مناصرين أو محزّبين. وأكدت المصادر الحزبية أن هذه الافعال لا تمت بصلة إلى بيئة المقاومة ولا الى اخلاق أبنائها”. بينما الاتهامات كانت بأن التحركات منظمة وهدفها ايصال رسائل من حزب الله للاخصام في اللوائح المنافسة.




كيف بدأت التحركات؟

مسيرة الدراجات النارية بدأت مع الساعات الأولى لانتهاء عملية الاقتراع، فاقتصرت على الضاحية الجنوبية لبيروت، حيث كانت تصل الدراجات النارية الى منطقة الطيونة وتعود لتدخل إلى الشياح وتكمل مسيرها في الضاحية، وهي عادة اعتادها سكان الضاحية عند كل حدث، كتحرير الجرود الشرقية، وفي الانتخابات البلدية وغيرها من المناسبات التي كانت توصف بالانتصار لحزب الله وحركة أمل، إلا انها وصلت الإثنين  إلى مرحلة غير مسبوقة، ودخلت مناطق كانت محظورة على الدراجات النارية، خصوصاً أن معظم تلك الدراجات غير قانونية واصحابها لا يحملون أوراقاً لها، ما كان يمنع كثيرين منهم من المجازفة للدخول الى العاصمة خوفاً من التوقيف. ولكن الأمر اختلف خلال اليومين الماضيين، فالاحتفالات التي كانت تقتصر على عشرات الدراجات النارية، ارتفع عددها الإثنين الى الآلاف، والشعارات التي رفعت استفزت حتى بعض سائقي تلك الدراجات، كما حصل على سبيل المثال في منطقة الشياح عندما رفض البعض شتم القادة السياسيين، إلا ان اصوات الرفض لم تسمع”.

اللافت كان في الحشود “المحتفلة”، نسبة الأعمار بين المراهقين والشباب لسائقي الدراجات، فمعظمهم لم يتجاوزوا سن العشرين، أي انهم لم يشاركوا في العملية الانتخابية. ووفق أحد المغردين، فإن الطائفة الشيعية انقسمت يوم الانتخاب الى قسمين: الأول انتخب في القرى والآخر الذي لا يحق له الانتخاب احتفل بنتائجه حتى قبل صدورها رسمياً.

غياب الوعي السياسي

من يعرف هؤلاء الشبان، يدرك جيداً غياب الوعي السياسي عند قسم كبير منهم. فمعظمهم لم يتجاوز سن العشرين، ولم يشارك في الأساس بالعملية الانتخابية، ولكن كان تعبيرهم عن “انتصار” حققه فريقهم السياسي دليلاً على الشحن الحاصل وحالة الخوف التي كان يعيشها قسم منهم. فالجيل الحالي تربى على انتصارات الحزب، بدءاً من تحرير الجنوب وحرب تموز والحرب السورية وما تخللها من شحن طائفي وشعارات مذهبية. والقسم الأكبر منهم لا يعرف ما حصل في الجنوب من احتلال سوى ما يسمعه من أهله، واليوم يعيش زمن الانتصارات السياسية والعسكرية.

الشاب أحمد حلاني الذي شارك في التحركات الشعبية، مؤيد لحركة أمل وحزب الله معاً، يعتبر الرئيس بري قائداً، وكذلك السيد حسن نصرالله، إلا ان خطابه يحمل الكثير من الحماس الحزبي، فالشاب شارك في احدى معارك القصير، ويرى في الحزب قوة إقليمية تخطى نفوذها حدود الضاحية والجنوب وبعلبك، لا بل ذهب الى القصير وحمص ومعلولا وحلب. تحدى الأميركي في سوريا، أسقط مخططه، وصل الى حدود السعودية، شارك في الحرب العراقية لتحريره من داعش، العراق الذي حكمه صدام حسين وحارب النظام الايراني، دخله حزب الله فاتحا، وصل الى اليمن، اتُّهم بتهديد النظام المغربي، وإن كان في الأمر مبالغة، حسب تعبيره”. فيما صديقه اكد أن بيروت للكل، ومن “حقنا الاحتفال حيث نريد، قبل ان يقاطعه احمد: “بلا مشاكل””.

علي مراد ابن منطقة الأوزاعي شارك ايضاً في التحركات الليلية، “الفرحة لا تسعه من تحقيق الانتصار في المعركة الانتخابية”. يعتبر الاخصام على اللوائح الاخرى أعداء يخدمون المشروع الاميركي ويريدون اخذ سلاح المقاومة التي حررت الجنوب وحمت القرى من الهجمات الارهابية، ودخول بيروت كان للتعبير عن النصر وليس هدفه الاعتداء على احد من السكان، وإنما ايصال رسالة حسب تعبيره أن حزب الله اصبح لاعباً قوياً في البرلمان اللبناني، وسيبدأ معركة مكافحة الفساد التي وعد بها السيد حسن نصرالله.

شاب آخر لقب نفسه بثائر (27 عاماً) شارك للمرة الأولى في العملية الانتخابية، كذلك شارك في مواكب الدراجات النارية، ولكن من خلال سيارته الخاصة، استنكر ما حصل في بيروت باعتبار أن هذه التصرفات ليست من اخلاق حزب الله وأمل، وما حصل لا يعبر عن بيئة أهل الضاحية، ولكن الحقن الطائفي قبيل الانتخابات تسبب بردة الفعل المبالغ بها، وقد أساء المتظاهرون الى خط المقاومة، حيث عبر عشرات الناشطين عبر صفحاتهم عن رفض تلك الأفعال.

 

من الناحية الاجتماعية يرى أستاذ العلوم الاجتماعية الدكتور احمد عياش أن “ما شهدته العاصمة وطريق الجنوب ومدينة طرابلس ليس بشغب من ناحية وليس باحتفال فرح من ناحية أخرى، ولو جاءت الأحداث تحت عناوين خصومة سياسية وانتخابية، بل إن الأحداث تلك ما هي الا نتيجة طبيعية لما سبق يوم 6 آيار وخلال أشهر من احتقان وتعبئة فوضوية لشحنات توتر من الدرجة العالية على خط توتر طائفي- سياسي بقوة خارقة من الكراهية والتحدي. فالبعض وصفهم “بالاوباش” أو  قال “بيروت لن تكون حسينية” إضافة إلى تصريحات مسؤولين كبار وإعلاميين من توجه سياسي معين، في لحظة تشهد فيها المنطقة زلزالا مصيريا تشعر فيه الأقليات الصغيرة او الأقليات الكبيرة كالشيعة مثلا أنها مستهدفة في الحرب، ما يجعل الفكر الشيعي يتحصن أكثر فأكثر في قلعة عسكرية، حيث الاستنفار والتأهب على درجة عالية من الحذر والترقب والرصد لأي حركة من حول تلك القلعة، حيث يصعب التمييز فورا بين الحركة الايجابية والحركة السلبية. لذلك يأتي أحيانا اطلاق النار الانفعالي كردة فعل طبيعية للدفاع عن النفس أمام تراكم تهديدات، في مقابل اناس يراقصون الموت منذ اكثر من اربعين سنة واناس يحملون بيوتهم على أكتافهم كل عشر سنوات، والأنكى انهم يشعرون انهم غير مرغوب فيهم في الديار وهنا الطامة الكبرى”.

واعتبر عياش أن “الشخصية الشيعية رغم كل ما تحمله من سلاح تتحرك كأنها الخائفة دوما والقابعة في القلعة تنتظر الهجوم، وعلى مواعيد متعددة مع الحرب والخطر (اسرائيل – داعش – المحكمة الدولية – الاتفاق النووي).

ردات فعل الشباب تأتي من دائرة التعبير عن متنفس انتصار للشعور بالراحة من تأزم واحتقان، يمنع عليهم مرارا الرد على خصومهم. وإذا اضفنا إلى شحنات التوتر المستنفرة ضد الآخر، الخصم او العدو، الكثير من الخيبات والآهات لصعوبات الحياة اليومية وصعوبات العيش في مناطق لا يسمح فيها لمسرح او لصالة سينما، و لا يُعمل على بناء حديقة خوفا من الاختلاط، ولا تُسمع موسيقى غير الاناشيد الحماسية!! لذلك التعابير الصبيانية تلك ليست بعيدة عن احتقان جمهور رياضي ينتظر خلال ساعة ونصف ساعة من المباراة اي من التوتر، ان تنتهي المباراة ليعبر عن فرحه او عن غضبه من فريقه وجمهور الخصم. فكيف اذا كان الفريقان المتخاصمان يلعبان بكرة الوجود والمصير مع راقصين مع الموت.

ببساطة، يمكن القول إن من كان يوصف بـ”المحروم” في العقود الماضية، أصبح اليوم قوياً ولاعباً اقليمياً، ودخل بالامس بكتلة نيابية وتحالفات سياسية تجعله الاقوى، مستفيداً من اخطاء خصومه، فيما قسم من جمهوره منضبط، وقسم كبير آخر عبر عن غضبه وفرحته في الوقت نفسه بالدخول الى مناطق محرمة، كادت تشعل البلاد وتمحو سنوات من الاستقرار الأمني.


علي عواضة – النهار