جوزيف الهاشم - الجمهورية

تقْتَرعُ … وتخْلَعُ ملابسَها – جوزيف الهاشم – الجمهورية

يَـذْكُر الاستاذ رغيد الصلح في كتابه: «لبنان والعروبة» أَنَّ البطريرك أنطون عريضه كان شديد الإرتياب ببعض السياسيين فطالب بان يُقْسِمَ جميع المرشحين للنيابة يمين الولاء للكيان.

كان ذلك يوم إعلان لبنان الكبير، ولم يكن أحـدٌ يتصوّر بعد انقضاء مئة عام أنَّ هذا الكيان لا يزال يحتاج الى ولاء المرشحين للنيابة، ولم يخطر على بال الأجيال المتعاقبة، أنَّ لبنان الكبير سيصبح لبنانات صغيرة، وبدل ان يُقْسِمَ المرشحون يمين الولاء للبنان، قسَّموا لبنان الى ولايات.




الإنتخابات النيابية سُمّيتْ ايضاً «معارك» في الانظمة الديمقراطية، لان السياسة هي استمرار الحرب ولكن بوسائل حضارية تتخطَّى العنف الجسدي وتحلّ فيها أَصوات الناخبين محلّ أصوات الرصاص وصليل السيوف وشفرات المقاصل التي تعتمدها الأنظمة الديكتاتورية وسلالات السلاطين والملوك سبيلاً الى الحكم.

وهكذا كان شأن الهندوس الذين حرَّموا سفك الدماء فاخترعوا لعبة الشطرنج ليمرِّنوا جنودهم على القتل البريىء او القتل الذهني.

نحن لم نتعلّم لعبة الشطرنج التي يمارسها الهندوس منذ أَقدم حضارات التاريخ، ولم نتفهّم حضارة المعارك الإنتخابية كما تمارسها الأنظمة الديمقراطية في دول الغرب، بل لا تزال المواجهات السياسية والإنتخابية عندنا خناجر لفظية مسمومة، وسيوفاً جاهلية تهدّد بقطع الرؤوس وقطع الأعناق والأرزاق، ولم نسمع أحداً يدعو الى قطع أيدي الذين اختلسوا موازنة الدولة وخزائن المال العام

بلى… سمعناهم في بياناتهم الإنتخابية كما في جلسة مناقشة الموازنة في المجلس النيابي يشنّون حرباً ضارية على الفساد الذي استشرى في جسم الدولة وشرايينها… ولأنهم لا يعرفون من هم الفاسدون، راحوا يطلبون مـمَّن يعرف عنهم شيئاً ان يزوّد السلطة الحاكمة بالأسماء والشهود.

وهذا يذكّرني… وأنا في زيارة لأحدى الدول ذات النظام الصارم، بانّ القانون فيها يفرض عقوبة الإعدام على المتّهمين بالزِني، شرط ان يكون هناك شاهدان على الأقل وقد رأَيـا المتَّهمين بـأُمّ العين.

وكأنما الزانيان جنسياً يصطحبان معهما شهوداً لحضرة المحكمة…

وكأنما الزانيان مالياً يصطحبان معهما شهوداً لحضرة الحكومة….

او كأنما المتَّهمون بالفساد والزِنى المالي ليسوا من أهل السلطة وليسوا من أهل الحكومة.

الذين يساورهم القلق حيال ما قيل عن إِفلاس لبنان المالي، عليهم أنْ يقلقوا على إفلاس لبنان السياسي، لأن الإفلاس السياسي هو الذي أدَّى ويؤدي الى الإفلاس المالي والاقتصادي والأخلاقي.

وحتى لا نضطرّ بعد مؤتمر «سيدر»، الذي عُقد في باريس تحت هاجس الإفلاس المالي.. الى عقد مؤتمر في باريس للافلاس السياسي…

نضع أمام الناخبين اللبنانين مشهداً من الانتخابات الفرنسية الأخيرة، حين دخلت سيدة غرفة الاقتراع في بلدة «فالنس» وخرجت عارية من ثيابها في موقف معارض صارخ للسلطة الحاكمة.

لعلّ الناخبين عندنا يتشبّهون بالكِرام، ولا يقترعون للذين تعرّوا من ملابسهم قبل ان يترشحوا.

التعليقات
DOWNLOAD OUR MOBILE APP