رحلة مثيرة! – حسين شبكشي – الشرق الأوسط

لا تركب مع أي شخص غريب، ولا تنزل في بيوت أغراب. هكذا كانت الوصايا التي ربى عليها الآباء والأمهات أطفالهم؛ لأن المسألة كانت في الأساس مبنية على عدم وجود «ثقة» كافية بالإضافة إلى عنصر الخوف والقلق.

ولكن التقنية «غيرت» هذا المفهوم تماماً، فعن طريق شركات الإركاب مثل «أوبر» و«كريم» يقوم الإنسان بالركوب في سيارات «غرباء» تماما عنه (وهي منظومة مختلفة عن سيارات الأجرة المعروفة التي لها تصريح رسمي)، وكذلك الآن بالنسبة للمبيت في بيوت غرباء عن طريق خدمة استئجار غرف المنازل أو المنازل كلها المعروفة باسم إيراندبي وشبيهاتها.




حاجز الرهبة والقلق والخوف سيتم «إبادته» والخلاص منه بالتدريج عن طريق التقنية الحديثة والمتطورة. فهي نفسها التي تمنحك القدرة المعرفية لأن تصبح «خبيرا» فوريا في أي موضوع تريده عبر قدرات البحث الفذة وسمات مبهرة من الذكاء الاصطناعي، أدوات التقنية المتطورة والحديثة هي أيضا تمنحك القدرة الفردية في التعارف على شرائح من الأصدقاء والعلاقات الاجتماعية المتشعبة أو متابعة الأخبار والآراء والمعلومات بصورة فورية مذهلة، أو التواصل مع شبكات الأعمال التوظيفية لأجل الحصول على فرص عمل متكافئة وبشكل منافس وقوي. صناعة القرار تتغير هي الأخرى بسبب التقنية الحديثة المذهلة. كنت في عرض خاص قدمه أحد الخبراء الأميركان المعروفين عن المستقبل المتوقع للمنتجات المتأثرة بالذكاء الاصطناعي، وكان لافتاً في العرض مثال ما قدمته شركة السيارات الكهربائية المعروفة باسم «تسلا»، وفيها وضح الفيلم الذي صور لقطات من النافذة الأمامية للسيارة التسلا، وهي تسير على الطرقات السريعة في أميركا، فإذا بجرس إنذار يصفر بصوت واضح وبعدها بثلاث ثوان يحصل حادث بين سيارتين أمام السيارة التسلا.

بمعنى آخر السيارة توقعت حصول الحادث بناء على قراءة استباقية لحراك «غريب» أمامها مما جعلها تتوقف وتتفادى الاصطدام بالسيارتين. آفاق هذه الفكرة خطيرة جداً؛ لأن توظيفها سيتم تطويره بحيث تتمكن أجهزة مزودة بالتقنية نفسها، من معرفة مواعيد الزلازل، ومن لديه ميول إجرامية، ومن سيكون لديه مرض مزمن خطير، وما هي المدة الافتراضية له على الأرض.

هذه الاحتماليات ستعيد تفصيل كثير من الأنظمة والقوانين في مجالات الصحة والجريمة والأمن والمواصلات وغيرها من المجالات وندخل فعليا في مرحلة الثورة الذكية الخارجة عن الحدود العقلية البشرية.

ما نشاهده اليوم هو بدايات انقراض الإنسان كما نعرفه لصالح علاقة بشرية تقنية غير طبيعية وغير مسبوقة. حدود العلم يتم فتحها بشكل مذهل. شدوا الأحزمة فالرحلة القادمة مثيرة.