كيف نجحت إيران في بسط نفوذها في العراق وسوريا ولبنان بينما فشل منافسوها الإقليميون

بينما كان الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، مشغولاً بإلغاء المشاركة الأميركية في الاتفاق النووي مع إيران، كانت الأحزاب السياسية المدعومة من إيران تخوض انتخابات برلمانية في لبنان والعراق، وكان الحوثيون الموالون لإيران باليمن يطلقون الصواريخ الباليستية باتجاه العاصمة السعودية، الرياض.

إنها إيران، التي وصمتها واشنطن من قبلُ بأنها عضو في “محور الشر”، لكنها نجحت عبر السنوات في بناء ما تسميه “محور المقاومة”، الممتد عبر العراق وسوريا إلى لبنان.




القوات الإيرانية أو الميليشيات المتحالفة معها هي الآن على أعتاب إسرائيل والمملكة العربية السعودية، أهم خصوم إيران الإقليميين، كما لاحظ تقرير لصحيفة The New York Times الأميركية.

تحتفظ إيران الآن بشبكة من الميليشيات القوية التي تدافع عن مصالح طهران إلى ما يتجاوز حدودها. فكيف نجحت إيران في تحقيق ذلك، رغم العداء الصريح مع أميركا والجيران بمنطقة الشرق الأوسط؟

هكذا أنفق الخليج على شراء الأسلحة المتقدمة

أنفقت دول الخليج، بقيادة المملكة العربية السعودية، مليارات الدولارات على شراء الأسلحة المتقدمة على مر السنين، لكنها لم تُثبت بعدُ أنها تستطيع استخدامها بفاعلية. فقد انخرطوا في حرب جوية ضد الحوثيين باليمن، ولم تحقق لهم دبلوماسية دفتر الشيكات، التي اعتمدوا عليها، سوى نفوذٍ ضئيلٍ في لبنان وسوريا والعراق، على حد تعبير The New York Times.

وهكذا استحدثت إيران طرقاً مبتكرة في بناء “شبكاتها”

على النقيض من ذلك، استحدثت إيران طرقاً لبناء علاقات استراتيجية لا تتطلب إنفاقاً عسكرياً كبيراً لا يمكنها تحمُّله على أي حال.

وقالت رندا سليم، المحللة في معهد الشرق الأوسط بواشنطن: “لا يعزز المال فقط شبكة العلاقات؛ بل ما يفعل ذلك هو الأيديولوجيا واستعداد الإيرانيين للمخاطرة والانخراط لتحقيق الهدف”، مضيفة أن “السعوديين ليس لديهم هذا النوع من الأدوات”.

هذا لا يترك لإسرائيل، التي تملك قوة عسكرية قوية لكن قدرتها ضعيفة على بناء تحالفات مع الدول العربية، سوى إرث إنشائها كدولة يهودية ما زالت مذمومةً في المنطقة بشأن معاملتها للفلسطينيين.

إيران ليست قوية فعلياً كما نعتقد لكنها تستعرض

إيران، كدولة فارسية يقودها الشيعة، هي أقلية طائفية وعرقية في محيطٍ غالبيته من العرب السُّنة. وهي كذلك مرفوضةٌ دولياً منذ استيلاء حكومة إسلامية شيعية على السلطة عام 1979، ولم يعد بإمكانها الحصول على الأسلحة الغربية. وأدى اقتصاد إيران الضعيف إلى تفوُّق خصومها الإقليميين عليها في الإنفاق العسكري التقليدي.

قال باسل صلوخ، أستاذ العلوم السياسية بالجامعة اللبنانية الأميركية في بيروت، لصحيفة The New York Times، إن “إيران ليست قوية فعلياً كما نعتقد. فاقتصادها ضعيف إلى حد كبير ومحاصَرة؛ لذا يتعين عليها أن تستعرض القوة لحماية نفسها، وقد نجحت هذه الاستراتيجية بشكل جيد؛ لذا فهي تكررها في مكان آخر”.

إيران صنعت شبكة الحلفاء والميليشيات الصديقة

استثمرت حيث يمكنها ذلك، في العلاقات مع الجهات الفاعلة البديلة التي تشترك في معظمها مع عقيدة إيران الشيعية والإحساس بالموقف المضطهد، بالعراق ولبنان وغيرهما.

بعد إطاحة الولايات المتحدة بديكتاتورية العراق في عام 2003، ذهبت إيران إلى هناك بأسلحة قدمتها للميليشيات، ودعمت الأحزاب السياسية حتى تجعل العراق يدخل مدار نفوذها.

ونشرت إيران المقاتلين ودعمت الميليشيات بعد اجتياح انتفاضات الربيع العربي في أوائل هذا العقد لحكومات سوريا واليمن. وفي فوضى الحرب الأهلية الطويلة بسوريا، استغلت إيران الفرصة لبناء بِنْية تحتية عسكرية هناك.

كان النموذج المبدئي لهذه الاستراتيجية هو “حزب الله”

التجربة بدأت في أوائل الثمانينيات، عندما ساعد ضباط من الحرس الثوري الإسلامي الإيراني في إنشائه بلبنان. أعطى دعم حزب الله لإيران وسيلة لمحاربة الإسرائيليين بالقرب من حدودهم الشمالية، وفي وقت لاحقٍ منح إيران النفوذ في السياسة اللبنانية. ومنذ ذلك الحين، تحوَّل حزب الله، الذي تُصنفه إسرائيل والولايات المتحدة، منذ فترة طويلة، كمنظمة إرهابية، إلى قوة إقليمية في حد ذاته.

وقالت رندا سليم، المحللة في معهد الشرق الأوسط بواشنطن: “إذا عمدنا إلى مواجهة إيران وتقليص نفوذ هذه الشبكة الإيرانية، فما الذي سنطرحه على الطاولة؟”، مضيفة: “وإذا اكتسبت إيران النفوذ من تلك الإنجازات، فكيف ستكون استجابتها؟”.

وأضاف الطموح النووي ثقلاً للقوة الإيرانية

وهناك عنصر آخر في القوة الإيرانية، هو ما يطلِق عليه خصومها طموحاتها وقدرتها على صنع قنبلة نووية، وهو سلاح نفت إيران على الدوام السعي إليه رغم أدلة سابقة على إجراء أبحاث إيرانية على صنع القنابل النووية.

وبموجب الاتفاق النووي لعام 2015، كررت إيران تعهُّدها بعدم “السعي أو تطوير أو الحصول على أي أسلحة نووية”. وحتى الآن، تقول إيران إنها تنوي الالتزام بالاتفاق على الرغم من الانسحاب الأميركي.

من سوريا انطلقت صواريخ حزب الله إلى الجولان

تستطيع إيران أن تضرب إسرائيل مباشرة من خلال حزب الله، الذي يُعتَقَد أن لديه أكثر من 100 ألف صاروخ، بعضها قادر على ضرب مدن إسرائيلية كبرى وكذلك البنية التحتية الحساسة.

وتحدث الأمين العام لحزب الله حسن نصر الله، الإثنين 14 مايو/أيار 2018، عن هجوم صاروخي من سوريا على هضبة الجولان التي تحتلها إسرائيل، الأسبوع الماضي، يمثَّل “مرحلة جديدة تماماً” في الحرب السورية. وفي أول اعتراف لجهة بتبنِّي إطلاق صواريخ على هضبة الجولان المحتلة، قال نصر الله في خطاب تلفزيوني، إنه “تم إطلاق 55 صاروخاً، وبعضها من الحجم الكبير، على مواقع الاحتلال في الجولان المحتل، ودوَّت انفجارات ضخمة أجبرت سكان المستعمرات في الجولان على النزول إلى الملاجئ”.

ومن اليمن تأتي الصواريخ الباليستية في اتجاه السعودية

وقد أدى الدعم الإيراني للحوثيين في اليمن إلى تعثُّر المملكة العربية السعودية في حرب مكلفة هناك، وجعل المدن السعودية عرضة للصواريخ الباليستية من اليمن.

يَصعُب التغلب على تلك العناصر الفاعلة عسكرياً، وقد تؤدي الحروب ضدهم إلى تفاقم ديناميات الدولة الفاشلة التي أثبتت إيران أنها بارعة في استغلالها.

وتعتبر السعودية أن “إطلاق الصواريخ من قِبل الميليشيا الحوثية المدعومة من إيران يُثبت استمرار تورط دعم النظام الإيراني للميليشيا الحوثية المسلّحة بقدرات نوعية، في تحدٍّ واضح وصريح لقراري الأمم المتحدة الخاصَّين باليمن، ويعد مخالفاً للقانون الدولي الإنساني.”

لكن سوريا هي نقطة الاشتعال الأكثر احتمالاً

جميع الأطراف تقول إنها لا تريد حرباً أوسع، ويبدو أن الجميع يتخذون خطوات لمنع تصاعد المواجهات. بذلت إسرائيل في غاراتها الجوية بسوريا جهوداً لاستهداف الأسلحة وليس الأفراد؛ حتى لا يتسبب ارتفاع عدد القتلى في الضغط على إيران وحلفائها للرد، كما ورد في تقرير The New York Times.

وحتى الآن، كانت استجابة إيران للهجمات الإسرائيلية محدودة. وكان الهجوم الصاروخي، يوم الخميس 10 مايو/أيار 2018، يستهدف المنشآت العسكرية الإسرائيلية، وليس المدن.

وإيران اختارت المواجهة.. والمقاومة

ولا تزال طريقة استجابة إيران للجهود الجديدة لتقليص نفوذها غير واضحة. وبينما يريد البعض داخل تسلسل السلطة الهرمي الإيراني الحفاظ على الاتفاق النووي حتى من دون الولايات المتحدة، فقد تعهد البعض بالمواجهة.

وقال حسين سلامي، نائب قائد الحرس الثوري الإيراني، الأسبوع الماضي: “المقاومة، وليس الدبلوماسية، هي الوسيلة الوحيدة لمواجهة هؤلاء الأعداء”، وأضاف: “الخروج من الصفقة ومخاوفهم بشأن عمل إيران الصاروخي هي مبررات لتركيع أمتنا”.