//Vbout Tracking Code

مصالحه السياسية تُحرِّكه أم عاطفته الإسلامية؟.. أردوغان “بطل” القضية الفلسطينية وآسر قلوب ملايين المسلمين

في ليلة شتائية باردة، من شهر يناير/كانون الثاني عام 2009، في منتجع سويسري فاخر في مدينة دافوس التي تحتضنها جبال الألب، عَثر رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان على منجم ذهب سياسي؛ فبين عشية وضحاها أصبح بطل العالمين الإسلامي والعربي.

في الوقت الذي كان يشتعل فيه قطاع غزة جراء الحرب المريرة وغير المتكافئة القوى، التي تشنها إسرائيل ضد قطاع غزة، انتقد أردوغان بشدة زميلاً محاوراً له في منتدى دافوس العالمي، هو شيمون بيريز، رئيس إسرائيل وقتها، الذي قضى الوقت المخصص له في الدفاع عن العدوان الإسرائيلي على القطاع، بحسب تقرير لموقع Middle East Eye البريطاني.




وقال أردوغان “سيد بيريز، أنت أكبر سناً مني، لكنَّ صوتك عالٍ، ولا بد أنَّ ذلك يرجع إلى ضميرٍ مُذنِب”.

وأضاف: “أنت تقتل الناس. أتذكر الأطفال الذين قُتلوا على الشاطئ، أتذكر رئيسي وزراء سابقين في دولتك قالوا إنَّهم شعروا بسعادة بالغة لدخول فلسطين على ظهر دبابات”.

منذ تلك اللحظة، بدأ التحول الكبير لأردوغان تجاه قضايا المسلمين

وبحسب الموقع البريطاني، شكَّلت هذه التصريحات نقطة تحولٍ لأردوغان، الذي كان وقتها رئيساً لوزراء تركيا. إذ منحه الإعجاب الذي ناله من الشارعين العربي والإسلامي -إذ بدأ أهل غزة يسمون أطفالهم رجب– وجهة واضحة؛ الدفاع عن العالم الإسلامي وقضاياه في كل فرصة تسنح.

وبعد مرور حوالي 8 سنوات على هذه الواقعة، عاد أردوغان، الذي أصبح الآن رئيساً لتركيا، لتركيز اهتمامه على القضية الفلسطينية، مُحاوِلاً الاستئثار بردِّ العالم الإسلامي على قرار ترمب الاعتراف بالقدس عاصمةً لإسرائيل.

وتمثَّلت مبادرته الكبرى في دعوة أعضاء منظمة التعاون الإسلامي المؤلفة من 57 عضواً، وتترأس تركيا دورتها الحالية لعقد اجتماعٍ طارئ في إسطنبول، يوم الأربعاء 13 ديسمبر/كانون الأول 2017.

ولم يُفصح أردوغان عن توقعاته من هذه القمة، لكنَّ بكير بوزداج، أحد نواب رئيس وزراء تركيا، أشار في نهاية الأسبوع إلى أنَّ مجرد الإدانة لن يكون كافياً، بل هناك حاجة للمزيد، بحسب الموقع البريطاني.

من جانبه، قال وزير الخارجية التركي مولود جاويش أوغلو، الثلاثاء 12 ديسمبر/كانون الأول 2017، إنَّهم يعارضون الدعوة إلى تطبيق عقوبات، لكن سيدعون إلى الاعتراف بدولة فلسطين.

فما دوافع الرجل الحقيقية؟

ينسجم الدفاع عن قضايا المسلمين والعرب مع الاعتقادات الدينية لأردوغان، وكذلك مع رغبته في أن يرى الإمبراطورية العثمانية تستعيد أمجادها، وتركيا تسترجع مكانتها قائدةً للعالم الإسلامي.

وعانى العالمان الإسلامي والعربي على مدى عقود من حكام إما طغاة علمانيين أو ملوك ديكتاتوريين، أو مستبدين ثيوقراطيين (دينيين)، لا يصدر من أيٍّ منهم ما يُعزز رخاء المسلمين سوى مجرد وعود خاوية؛ لذا سرعان ما يُمجَّد أي شخصٍ مستعد ليكون صوتَ العالم الإسلامي في العلن، وربما قد يكون هذا الشخص الآن هو الرئيس التركي.

فما الذي تغيَّر منذ مواجهة أردوغان مع بيريز  إلى الآن؟

منذ منتدى دافوس 2009، تتحرك حكومة أردوغان سريعاً لحشد الموارد التركية وإرسال مساعدات إلى أماكن متفرقة، حيث المسلمين عرضة للخطر، سواء إلى الصومال أو مسلمي الروهينغا في بورما.

إلا أن المنتقدين لا يرون في ذلك إلا استثماراً سياسياً..

ويقولون إنَّ بضع طائرات محملة بالمساعدات، ما هي إلا استثمار ضئيل في مقابل عائد سياسي ضخم.

وخلال عضوية تركيا غير الدائمة في مجلس الأمن، التابع للأمم المتحدة، من 1 يناير/كانون الثاني 2009، وحتى 31 ديسمبر/كانون الأول 2010، شرحت أنقرة رؤية العالم الإسلامي خلال عدة جلسات معنية بالمنطقة.

ولعل الأهم من ذلك هو أنَّ تَوَلِّي الدفاع عن قضية المسلمين في العالم ساعد أردوغان على تعزيز سمعته في دوائر كبرى محلياً، تحديداً دوائر الملسمين المحافظين.

وأظهر أحدث استطلاع للرأي أجراه مركز بيو للأبحاث ومقره الولايات المتحدة، أنَّه حتى مع اختلاف الآراء حوله ما بين مؤيد ومعارض، يحظى أردوغان بشعبية أعلى على صعيد المنطقة، مقارنةً بغيره من القادة الآخرين.

حتى وإن كان استثماراً سياسياً، فما العيب إذا كانت مشاعره صادقة؟

في الواقع، يثير هذا تساؤلاً حول ما إذا كان أردوغان صادقاً في الدفاع عن قضايا المسلمين، أم أنَّه مجرد سياسي محنك يلعب على وتر “الشارع العربي”، لنيل إعجابٍ شخصي ومكاسب سياسية محتملة داخلياً، كما يقول الموقع البريطاني.

بعض المنتقدين يرون أن النفاق مستشرٍ لدى القادة في الشرق الأوسط

ليفانت غولتيكين، كاتب وصحفي وإسلامي سابق، قال لموقع Middle East Eye إنَّ الحكم على صدقيته من عدمها مهمة مستحيلة، لكن بحسب رأيه “العالم الإسلامي بأكمله، غارقٌ في النفاق”.

وقال غولتيكين: “العالم الإسلامي -إن كان هذا المفهوم موجوداً بالفعل- بأكمله منخرط في الاستغلال العاطفي لأفراده. والآن هذا يشمل تركيا أيضاً”.

وأضاف: “إنَّ الصراخ والتهديد دون القيام بعملٍ حقيقي لا يُكلِّف شيئاً. السعوديون والإيرانيون والأتراك جميعهم يصرخون ويوجهون التهديدات ذاتها منذ 50 أو 60 عاماً حتى الآن، دون أية نتائج على الإطلاق”.

وبعضهم يرى غضب أردوغان صادقاً

إلا أن يلديز رمضان أوغلو، كاتبة محافظة، ترى أنَّ أردوغان صادق في غضبه بسبب فلسطين، والتطورات في العالم الإسلامي.

وقالت رمضان أوغلو في تصريحٍ لموقع Middle East Eye: “أعتقد أنَّ الرئيس صادق، لكن بعض التعليقات غير المُوفَّقة التي تحمل تناقضات تثير الشكَّ. معاناة الفلسطينيين منذ 1917 واضحة كالشمس في وضح النهار. لا بد من تنحية الاعتبارات والمصالح الأخرى جانباً، فالحكومة بحاجة إلى اتخاذ موقف حاسم أياً كان الثمن”.

وحُجتهم في ذلك التطورات بعد حادثة سفينة مافي مرمرة

فقد مثَّلت هذه التطورات التي أعقبت حادثة سفينة “مافي مرمرة” في عام 2010 مؤشراً قوياً على هذه المواقف المتضاربة، بحسب ما ذهب إليه الموقع البريطاني.

إذ خفَّضت الحكومة التركية العلاقات مع إسرائيل، بعد أن اقتحمت القوات الخاصة التابعة للأخيرة السفينة التركية “مافي مرمرة”، أثناء وجودها في المياه الدولية، وقتلت 10 مواطنين أتراك.

كانت “مافي مرمرة” تتقدم أسطولاً صغيراً من 6 سفن دولية، تسعى لكسر الحصار الإسرائيلي على غزة، وتوصيل مساعدات ضرورية للقطاع.

ونُظِّم الجزء التركيُّ من الأسطول الدولي تحت مظلة الجمعية الخيرية الإسلامية IHH، التي تتلقى دعماً من الرئيس أردوغان وحكومته.

لكن عائلات الضحايا لم يكونوا سعداء في 2016، بعدما رمَّمت تركيا العلاقات مع إسرائيل.

فقد وافقت الحكومة التركية على عدم الملاحقة القضائية لإسرائيل، أو توجيه اتهامات ضدها أو ضد أيٍّ من مواطنيها المتورِّطين في الحادث في أي مكان، في مقابل مبلغ 20 مليون دولار. وأُسقِطَت القضايا في المحاكم التركية.

كما وضعت تركيا شرطاً لعودة العلاقات مع إسرائيل، هو رفع الحصار عن غزة.

إذ لم يُسمَح لأنقرة إلا بإرسال مساعدات مُراقَبة عبر ميناء أشدود الإسرائيلي، وهو الوضع السابق نفسه الذي كان قائماً قبل الهجوم على مافي مرمرة، لكن في نفس الوقت تمكَّنت أنقرة من تخفيف الكثير من المعاناة عن أهالي القطاع المحاصر.

لكن أردوغان “لا” تسيِّره المصالح السياسية فقط بل العاطفة الإسلامية أيضاً

لذلك ترى الكاتبة يلديز رمضان أوغلو، أنَّه لا بد من النظر لأفعال أردوغان على أنَّها صادقة وتنبع من نوايا حسنة.

وأضافت: “بالنسبة للمسلمين، هي مسألة مبدأ ومسؤولية، علينا أن نكون صوت الأبرياء أيضاً، وليس المسلمين فقط. ربما لا نملك القدرة المادية والعسكرية، لكن علينا التأكيد على السلطة الأخلاقية، وهذا هو ما يفعله أردوغان. لو تسنَّى له إجراء تحرُّك ما، لرأى الناسُ في تركيا والعالم حقيقته سريعاً”.