الحريري ينتفض على تياره: استقالة نادر بقرار سعودي؟

منير الربيع – المدن

لم تكن خطوة استقالة مدير مكتب الرئيس سعد الحريري، نادر الحريري، مسألة آنية. فهي تندرج في سياق سياسي محدد، وتأتي كنتيجة لما جاءت به الانتخابات والقانون الذي اعتُبر نادر عرّابه مع الوزير جبران باسيل. وبما أن المستقبل سجّل تراجعاً فلا بد من المحاسبة. في أحد أسباب الاستقالة تكمن هذه المسألة. لكن الأساس يعود إلى تجربة طويلة. خلافات بين الحريري وكثيرين من قادة التيار، واقصاء الجميع لحصر كل شاردة وواردة بشخصه. منذ استقالة الرئيس سعد الحريري من الرياض، كانت المعلومات تفيد بأن هناك مطالب بضرورة إجراء “ثورة” داخل تيار المستقبل، وإزاحة كثيرين من المحيطين بالرئيس. تردد اسم نادر كثيراً، لكنه بقي في الصورة.




إدارة المعركة الانتخابية كانت مناطة بنادر، كثرٌ يحمّلونه مسؤولية ما يحصل، فيما آخرون يعتبرون أن رئيس التيار يوافق على ما يقترحه الرجل. يشير بعض المتابعين إلى أن الحريري أراد تمرير الانتخابات لإتخاذ قرارات وإجراءات قاسية داخل بنية تياره، بدأت بإقالة المنسقيات، وهيئة الانتخابات، ووصلت إلى استقالة نادر، الذي سيتوجه إلى أعمال بعيدة عن السياسة، فيما المعلومات تشير إلى أن حملة التغيير ستطاول شخصيات عديدة أخرى.

وفيما سرت شائعات عن استقالة الأمين العام للتيار أحمد الحريري أيضاً، نفى الأخير هذه الأخبار. وهنا تعتبر المصادر أن لا قرار بهذا الشأن، إنما هناك متغيرات ستحصل، خصوصاً أن رئيس التيار حين اتخذ قرار إقالة الهيئات والمنسقيات، لم يفعل ذلك بالتنسيق مع الأمين العام، وتخطى صلاحياته. وهذه اعتبرت إشارة سلبية. وحتى الآن ليس معروفاً ما إذا كانت هذه القرارات نتيجة تنسيق مع السعودية، أم لا، أو إذا كانت ستغيّر في التوجهات السياسية للمستقبل، أم ستقتصر على هذا الشكل الصوري فحسب، من دون أي إجراءات عملانية.

خلال التظاهرة التي دعا إليها رئيس تيار المستقبل سعد الحريري في بيت الوسط للاحتفال بالنصر الانتخابي الذي تحقق، كانت تعلو صرخات الناس، عن وجوب محاسبة كثيرين من مسؤولي التيار. رفعت في الاحتفال لافتات كبيرة كتب عليها “حاسب ليبقى المستقبل لنا”، وأخرى “حاسب ليبقى التيار مستقبلنا”. هذه الرسائل وجهت إلى الرئيس الحريري من قبل جمهوره الناقم على بعض قادة تيار المستقبل. كانت هذه الشعارات والمواقف تبلّغ إلى مسؤولي المنسقيات في كل المناطق اللبنانية، بعضها ينطوي على اعتراضات سياسية بشأن خيارات التيار، وبعضها الآخر يتعلّق بطريقة إدارة هؤلاء المسؤولين شؤون مناطقهم، لكن كل هذه الاعتراضات لم تكن تصل إلى القيادة.

يعتبر بعض المسؤولين في تيار المستقبل أن التأخر في اتخاذ هذه الإجراءات كان بسبب المعركة الانتخابية وعدم تفرّغ الحريري لإجراء ورشة تنظيمية على أبواب الانتخابات كي لا يتسبب ذلك بضعضعة التيار، وضياع الجهود في اتجاهات أخرى تبدو أقل أهمية من إدارة العملية الانتخابية. ويقول مسؤول مستقبلي إن الحريري كان يتجنب الدخول في مسألة إتخاذ إجراءات بحق المسؤولين، كي لا ينعكس ذلك سلباً على وضع التيار انتخابياً من الناحية الأولى. لكن الناحية الأهم التي كانت تمنع الحريري عن اتخاذ هذه الإجراءات، هي بحسب المسؤول أن هؤلاء المنسقين عملوا على جعل المنسقيات مكامن نفوذ لهم ولقوتهم، بحيث حاولوا ربط كل الأمور بأنفسهم، كي لا تستطيع القيادة اتخاذ أي قرار بحقهم، ولو اتخذ قرار من هذا القبيل لكانوا يريدون فرط المنسقية التي تتبع لهم، ويتسببون بـ”إضطراب” ونقمة.

وهناك من يعتبر أن الحريري لم يكن مقتنعاً بجدية هذه الاعتراضات، إلى أن جاءت الأرقام والنتائج الانتخابية التي أحرزها المستقبل، والتي أثبتت تراجعاً في شعبيته، ونقمة عليه في الشارع السني. وهذه وضعت الحريري أمام أمر واقع لا مفرّ منه، يوجب اتخاذ قرارات سريعة لإعادة ضبط حركة التيار، والإمساك بزمام الأمور داخله. حجم الاعتراض كان واضحاً خلال الجولات التي كان يجريها منسقو المستقبل في المناطق، والتي لم تكن تلقى تجاوباً من قبل الناس. بينما حين كان يزور الحريري تلك المناطق كانت الناس تهبّ للقائه، وتحاول إيصال شكاويها إليه. حتى أن بعض المناطق عبرت عن اعتراضات جدية على الأمين العام للتيار، فيما يؤكد المسؤولون أن أحمد الحريري مظلوم، وبذل جهوداً مضنية، والأمور كانت خارجة عن إرادته.

منذ إجراء انتخابات المكتب السياسي لتيار المستقبل، كان الحريري يصرّ على إجراء ورشة تطويرية لبنية التيار التنظيمية، لكن حتى نتائج تلك الانتخابات وإدخال عنصر الشباب، لم تجد نفعاً، كما أنها تسببت في كثير من الاعتراضات من قبل صقور التيار وأبرز قادته، الذين اعتبروا أن ما يجري هو إنتاج بنية سياسية للتيار غير قادرة على المناقشة أو الاعتراض. هذا الأمر يصفه البعض بأنه يتوافق مع اللحظة السياسية، التي يريد الحريري فيها موافقات من الجميع، على قاعدة نفّذ ولا تعترض. وهذه إحدى مسببات التراجع الشعبي. وتكشف مصادر متابعة أن إقالة هذه الهيئات في بيروت، البقاع الأوسط، زغرتا والكورة، كانت بسبب عدم الالتزام بالتحالفات، وبيع أصوات، وعدم الالتزام بآلية التصويت وتوزيع الصوت التفضيلي، ووجود مخالفات أخرى مالية غير تنظيمية.

بنتيجة هذه الاعتراضات تحرّكت الأمانة العامة للتيار واتخذت قراراً ​بحل هيئة شؤون الانتخابات والماكينة الانتخابية اللوجستية، وتكليفها متابعة تصريف الأعمال، إلى حين اتخاذ قرار بديل. وتقرر حل الهيئات التنظيمية القيادية (مكتب ومجلس المنسقية) بصورة عامة، في كلٍ من: بيروت، ​البقاع الغربي​ وراشيا، البقاع الأوسط، الكورة، زغرتا، وتكليفها متابعة الأعمال إلى حين الإعلان عن قرارات بديلة. ودعا كل الهيئات في المنسقيات والقطاعات والمصالح لاستكمال تقاريرها التقييمية، لاتخاذ الإجراءات اللازمة حيالها، وفقاً لقواعد العمل السياسي والتنظيمي في التيار. وهذه من المفترض أن تقود إلى ورشة كبرى داخل التيار، لإعادة إنتاجه من جديد على قواعد وتوجهات جديدة.