ثنائية “التقدمي–القوات” أثبتت نجاحها في الجبل… زعامة جنبلاط ترسّخت و”الوطني الحرّ” حقّق مكاسب

مجد بو مجاهد – النهار

لم تشهد دائرة جبل لبنان الرابعة أي مفاجآت غير متوقعة في النتائج. لا تزال الإصطفافات السياسية في الشوف وعاليه تحافظ على صبغتها المرتبطة وثيقاً بمعادلة 8 و14 آذار. يعزّز ذلك اكتساب التحالفات الانتخابية صفة الطبيعية والواقعية في الدائرة، ما انعكس نجاحاً متّقداً لمصلحة ثلاثية الحزب التقدمي الاشتراكي و”القوات اللبنانية” و”تيار المستقبل”، مع نيل لائحة “المصالحة” أكثر من 98 ألف صوت، وهو رقم يتفوق على نتيجة سنة 2009، يوم نال الثلاثي، إضافةً الى الكتائب والأحرار، 96 ألف صوت.




وتعكس النتيجة نجاحاً حققه رئيس “اللقاء الديموقراطي” النائب وليد جنبلاط، الذي أثبت زعامته في الجبل، في الأكثري كما في النسبي، وهي حقيقة لا بد من الاقرار بها. وفي السياق، تعبّر مصادر “التقدمي” لـ”النهار” عن رضاها على النتائج في ظلّ القانون الحالي، “رغم كل ما واجهناه من حملات كإحضار الناخبين من سوريا للاقتراع في الشوف وصولاً الى استخدام أسلوب التحريض الطائفي وتكسير الرؤوس”.

ولا بد من التوقف عند الخطاب السياسي التصاعدي الذي استخدمته الأطراف كافة، والذي قد يجده البعض مبرراً في زمن الإنتخابات. إلا أنه من دون شك انعكس على نسب المشاركة في عملية الإقتراع التي بلغت 45% في قضاء عاليه و50% في الشوف. ويعكس الخطاب المستحضر دلالات تشي بأن علاقة الدروز والمسيحيين في الجبل لا تزال مريضة وتعاني عطباً، ولا يمكن تجميل الحقيقة أو إخفاؤها. وتتحمل الأطراف السياسية في كليتها مسؤولية هذا الواقع، مع انخفاض نسبة العائدين منهم الى قراهم، وندرتهم في تلك التي شهدت مآسي الحرب. وفي الكنائس المسيحية، لا يتجمع يوم الأحاد سوى بعض المؤمنين، يعدّون على الأصابع. ولكن، بموضوعية تامة، لا شك في أن ثنائية “التقدمي- القوات” نجحت في محاولة سلحفاتية لتضميد الجرح المحفور أكثر من ثنائية “التيار الوطني الحرّ” والحزب الديموقراطي اللبناني، التي لم تنسجم في خطابها السياسي الانتخابي. وكان ارسلان يجد نفسه مضطراً في كلّ مرّة الى استنكار الخطابات التصعيدية.

واذا كانت لائحة “المصالحة” قد حصدت 9 نواب، فإنها المرة الثالثة التي ينجح فيها الحزب التقدمي و”القوات” في شبك تحالفٍ انتخابيٍّ ناجح. وما اختلف هذه المرّة، تُرجم في ما يشبه لُحمة بدأت تتركّز دعائمها أكثر بين مناصري الحزبين. فقد انتشرت السيارات “القواتية” في القرى الدرزية وصدح صوت أناشيدها ورفرفت أعلامها الى جانب الأعلام الحمر، وبدأ “القواتيون” يؤالفون التقدميين ويجدون في تركيبتهم الثنائية واياهم تكاملاً لا انصهاراً مفروضاً كما في بداية التحالف. كلّها مؤشرات من شأنها أن تضخ جرعات أمل في النفوس، لكنها تحتاج الى الكثير من العمليات الجراحية الدقيقة.

يأتي ذلك في ظلّ خوف الأقليات على مصيرها في المنطقة من ذوبانها، وهي معادلة يفهمها جيداً جنبلاط وجعجع في ظلّ تمدّد الصراع السني – الشيعي واتساع مظاهره. وليس موقع الدامور الجغرافي والخوف على ضياع هويتها سوى مثال حيّ على استشراس مظاهر هذا الصراع. ولا شك في أن شريحة من مسيحيي الشوف بدأت تسلّم أكثر بأن جنبلاط هو بمثابة ضمانة لها في الجبل. ويظهر ذلك جليا في مواقف رجال الدين المسيحيين في المنطقة، الذين تكاد تخالهم جنبلاطيين في مواقفهم المعلنة، وكذلك مواقف المواطنين، الذين يؤيدون نهج النائب المنتخب نعمة طعمه الإنمائي والخدماتي والخيّر، وكذلك نهج النائب المنتخب مروان حماده الرمز البارز في 14 آذار.

وعلى عكس نجاح تحالف قوى 14 آذار، فكّك الاستحقاق الانتخابي قالب قوى 8 آذار الوحدوي، فتبعثرت النتيجة بين لائحتي “ضمانة الجبل” و”الوحدة الوطنية”، فنالت الأولى 39 ألف صوت مقابل 12 ألفاً للثانية التي تغذّت من قوميين معترضين على تركيبة لائحتهم وارثوذكسيين داعمين للمرشح وليد خيرالله وارسلانيين سابقين، مع انحسار عدد المقترعين لمرشحي الأمير طلال ارسلان في الشوف الى 500 صوت فقط.

ومع ذلك، أثبت “التيار الوطني الحرّ” زخمه التمثيلي في الدائرة، اذ تمكن من حصد 3 نواب، وحلّ ثانياً في الترتيب بعد “التقدمي” في عدد النواب المحصودين. وقد حلّ النائب المنتخب سيزار أبي خليل ثانياً في عاليه، وتصدّر الأصوات التفضيلية في لائحته، وهي نتيجة متوقعة نظراً الى كفايته وخدماته. ونجح العونيون في توزيع أصواتهم التفضيلية في الشوف على المرشحين الثلاثة، فضلاً عن النائب المنتخب فريد البستاني.

وفي الموازاة، خيّبت النتيجة آمال كميل شمعون الحفيد، الذي لم يجمع أكثر من ألف صوت تفضيلي، ما يشي بمستقبل أكثر هشاشة يهدد استمرارية هذه العائلة السياسية العريقة.

وبدت لافتة كمية الأصوات التي حققتها لائحتا المجتمع المدني، إذ كانت الأصوات مجتمعة لتفوز بنائبٍ واحد. هذا ما يجعل الشوف وعاليه، الدائرة الثانية بعد دائرة بيروت الأولى، القادرة على حصد نواب ذوي نفَس تغييري، ما يعكس انفتاح الناخبين فيها ونخبويتهم. ولا يمكن عدم التوقف عند هؤلاء والاعتراف بقدرتهم التمثيلية، رغم حديث علماء الإجتماع عن قدرة أكبر على التغيير في العاصمة، الا أن ناخبي الشوف وعاليه المؤيدين للمجتمع المدني – الشباب منهم خصوصا – نجحوا في كسب الرهان المعنوي على الأقل.