“الثنائي المسيحي” استنساخ شيعي ناقص…

ابراهيم حيدر – النهار

كل المؤشرات تؤكد أن العلاقة بين “التيار الوطني الحر” و”القوات اللبنانية” ذاهبة إلى مزيد من التأزم، كي لا نقول إن بعض محطاتها قد شهد انفجاراً كاد ان يطيح اتفاق معراب. وبينما اتخذ الصراع على الحقائب الوزارية شكلاً من الهيمنة على القرار المسيحي امتداداً لما أحدثته الانتخابات النيابية من إقصاء للعديد من المستقلين المسيحيين وإطباق الثنائي المسيحي الجديد على معظم ساحة النفوذ، علماً أن ثمة قوى سياسية مسيحية لا يزال لها صوتها وبعض الهوامش، إنما أُقصيت عن موقع القرار، بات التساؤل عما إذا كان المسيحيون استنسخوا التجربة الشيعية التي أفضت إلى سيطرة ثنائيَّيها وتوزّع أدوارهما المحلية والاقليمية.




ليس الكلام عن الثنائية المسيحية مطابقاً للثنائية الشيعية، إذا اعتبرنا أن “حزب الله” وحركة “أمل” قد أمسكا ليس بالقرار في الطائفة فحسب، إنما أيضاً بمفاصل كثيرة في الدولة، فباتت الشيعية السياسية تؤدي دوراً أكبر وقدرة على التأثير في مسار التوازنات الداخلية، خصوصاً أن أحد ثنائييها، أي “حزب الله”، يفرض موقعه المحلي والإقليمي وانخراطه في الحرب السورية، إضافة إلى ما أحدثته الانتخابات، فيتمكن هذا الثنائي من تحديد شكل التركيب السياسي الداخلي، الى حد يمكن القول إنه أحد المقررين الرئيسيين، وله كلمة عليا في الشؤون اللبنانية العامة. لذا لا يصرف كلام رئيس حزب “القوات” سمير جعجع على أرض الواقع بدعوته إلى ان “يتم التعاطي مع “الثنائي المسيحي” حكومياً، كما يتم التعاطي مع “الثنائي الشيعي”،وان يصار الى أخذ نتائج الانتخابات في الاعتبار”، وفق ما تقول مصادر سياسية متابعة، إلا في حال قرر رئيس الجمهورية ميشال عون إعطاء مقعد إضافي لـ”القوات” من حصته في الحكومة، أي أن يرتفع عدد وزراء “القوات” إلى أربعة. وهذا يعني أن الثنائية تُصرف في مكان واحد بقرار رئاسي، أي الحكومة.

لكنّ صرف الأنظار عن كلام الثنائية قد يزيد الكباش “العوني – القواتي”، إذ يريد حزب “القوات” تمثيلاً أكبر في الحكومة لتجنّب عزله وتحجيمه مسيحياً ولبنانياً، على رغم تمسكه باتفاق معراب مع “التيار الوطني الحر”. لكن المشهد لا يعكس صورة ايجابية بين الطرفين، خصوصاً أنهما خاضا مواجهة شرسة في الانتخابات النيابية على عكس الثنائي الشيعي، وهذا وحده، وفق المصادر، دليل على عدم القدرة على استنساخ الثنائي الشيعي، وهو ما ترجم في انتخابات هيئة مكتب مجلس النواب بإقصاء النائب “القواتي” فادي سعد. ولهذا يعتبر “التيار الوطني الحر” أنه الأحق في التمثيل المسيحي وفقاً لنتائج الانتخابات، وهو يريد أن يكمل السيطرة على مفاصل أساسية، بما يذكّر بمرحلة 1989، فبدا الصراع بين “القوات” و”العونيين” يستنسخ هذه المرحلة لكن بعنوان جديد هو الأحجام النيابية في التمثيل المسيحي.

إذا كانت الأمور تسير بما يتناقض مع تثبيت الثنائية المسيحية، طالما أنه لا يمكن الغاء التنوع في هذه الساحة، يعني ذلك أن موقع رئاسة الجمهورية يريد أن يشكل المحور الأساسي للموقع المسيحي في البلد بصلاحياته وممارساته وأدواره، لذا فإن عنصر القوة الوحيد حتى الآن، هو ضبط التركيب السياسي لدى الطوائف المسيحية، فيما واقع التركيب الثلاثي للحكم وفق الطوائف الكبرى لا يزال يستمد مقوماته من تركيب اتفاق الطائف، مع تعديلات تكرست خلال السنوات الاخيرة وأعطت الشيعية السياسية موقعها الذي تتبوأه حالياً في القرار.

بدا أن التجاذب السياسي والطائفي يحكم النقاش في التشكيل الحكومي، لكنه يشير في حصيلته إلى تراجع فكرة الرئيس المسيحي القوي الذي يمكنه أن يحكم باستعادة الصلاحيات، وهي التي رفعها “التيار الوطني الحر” بتحالفه أولاً مع “القوات اللبنانية” التي لها حساباتها ايضاً انطلاقاً من تحالف الثنائي المسيحي. لذا تعود الأسئلة لتخرج الى العلن عن الرئيس الحَكَم بين اللبنانيين، وعن معنى أن يكون هناك حكام آخرون وعن القدرة على الحسم في تأليف الحكومة، وما إذا كنا نشهد اليوم بداية تشكّل تكتلات جديدة قائمة أيضاً على الثنائيات، منها ثنائية مارونية – سنية مدعومة من مواقع طائفية مختلفة، الى مستقبل العلاقة مع الطائفة الشيعية بثنائيتها “حزب الله” وحركة “أمل” وحصتهما. أما السؤال الأهم فهو عن اتفاق الطائف؟ وما إذا كانت حقوق الطوائف ستبقى مكرّسة ثنائية أو ثلاثية أو حتى رباعية وخماسية وفق موازين القوى والتحالفات.

تطرح دعوة “القوات” لاستنساخ الثنائي إلى حجز حصة في الحكم، وإن كان هذا الحزب له حيثياته وموقعه وتمثيله مسيحياً ولبنانياً، لكن في رأي المصادر السياسية أن الصورة التي نشهد وقائعها اليوم في الحكم، وفي إطار المشاورات لتأليف الحكومة، يمارسها الرئيس عون بالتنسيق بين مجموعة تناقضات سياسية وطائفية، وخيارات مختلفة وحسابات ومصالح، لا يجمعها إلا المشاركة في النظام، إنما بتعديلات في المواقع وبغياب البرامج السياسية الواضحة في مقاربة المستقبل اللبناني في منطقة مشتعلة، حيث تضمحل الأحزاب ذات الطابع اللبناني العام، ويتراجع النقاش إلى مستوى القوى التي تخوض غماره، فتقرر في شأنه وتحدد صفاته، وترسم أفكارها وتقسم معالمه، وفقاً لحساباتها.