الحوار مع شحرور – حسين شبكشي – الشرق الأوسط

عندما كنت طالباً في المدرسة الابتدائية في مدرسة الثغر النموذجية بمدينة جدة، تعشم معلم اللغة العربية في خيراً وأحسن بي الظن وقال لي: لديك ملكة الكتابة لماذا لا تشرف على صحيفة الحائط المدرسية؟ قلت له: حاضر يا أستاذ، وفي عيني لمعة الفرحة ونبرة صوتي تكاد تتراقص مع البهجة بسبب المفاجأة المفرحة.

كنت وقتها أهيم شوقاً مع كل صحيفة يأتي بها والدي إلى المنزل سواء كانت صحفاً محلية أو «القبس» و«الرأي العام» الكويتيتين، أو «النهار» و«السفير» اللبنانيتين، أو «الأهرام» و«الأخبار» المصريتين. كانت هذه الصحف أشبه بنوافذ لي على العالم بأسره، منها يتدفق نهر المعلومات والأخبار.




أعددت العدد الأول بمساعدة زميلين لي واخترت اسما للصحيفة وهو «صوت الطلبة» وكان فيها موضوعان؛ الأول أسباب تأخر وصول حافلات نقل الطلبة، والثاني رداءة المنتجات التي تباع في كافيتريا المدرسة، فما كان من المعلم «المتحمس» إلا أن تراجع بقوة عن موقفه، وقال لي: لقد ألغينا الفكرة لأننا ما «بدنا وجع رأس ومشاكل». أخذتني فترة من الوقت حتى استوعبت معنى ما قاله لي المعلم وأدركت أن «الخوف من الكلمة» هو السبب.

تذكرت هذا الموقف مرة أخرى وأنا أتابع ردود فعل عدد غير بسيط من الناس على حلقات الدكتور محمد شحرور على أكثر من قناة تلفزيونية هذه الأيام. الدكتور محمد شحرور يفسر القرآن الكريم بحسب ما اجتهد وبحث وأسس لمدرسة فكرية جديدة تعتمد على أسس اللغة العربية واستخدام العقل والمنطق، وهو قام بذلك بعد جهد عظيم أفنى فيه جل عمره في البحث والتقييم والاستماع لما يقال من إضافات وتعليقات ذات فائدة وقيمة ويعكس ذلك على طرحه المكتوب من خلال الكتب التي يؤلفها بإعادة الطباعة لها بنسخ منقحة ومعدلة.

قرأت للرجل كافة كتبه وأتابع محاضراته بشكل مكثف وأستوعب وأتفهم الهلع والخوف والذعر الذي يسببه الرجل لمن تعود على الخطاب التقليدي، فهو يقدم تفسيراً مختلفاً تماماً وبأسلوب منطقي جداً. لم يكن الدكتور محمد شحرور أول من حاول التفسير بشكل مجدد ولن يكون آخر واحد حتماً، ولكن ما يهم هنا هو أسلوب «الاعتداء» الذي يتم عليه، فهو يقدم براهين وحججاً وأدلة بشكل مبهر ومقنع، وله اليوم أعداد متزايدة من المعجبين بطرحه وبأسلوبه حول العالم وخصوصاً في أجيال الشباب وشباب المهجر. والأسلوب المقصود هنا هو الإهانة والسب والقذف والتكفير والزندقة والتخوين واعتباره عميلاً ملحداً إلى غير ذلك من العبارات المهينة والجارحة وذلك بدلاً من مقارعة الحجة بالحجة.

محمد شحرور يقدم أسلوباً جديداً لقراءة الكتاب الكريم وفهمه، أسلوباً يعتمد فيه على المنهجية الأساسية في اللغة العربية واحترام العقل وبالنسبة لعدد غير بسيط من الناس. هناك من يعتبره «مجدد» عصره في تفسير القرآن. هذا رأي لا يعجب الكثيرين، ولكنه اليوم أصبح واقعاً، والرجل لديه مدرسة فكرية أثبتت حضورها وقبولها بين عدد متزايد من الناس.

الخوف من الكلمة يبقى الهاجس الأكبر، والسلاح الفوري «لقتلها» هو الحظر والمنع واغتيال الشخصية بالتشكيك في عقيدتها وأخلاقها. هذه الوسائل باتت لا تنفع، فالأيام كفيلة بإثبات ما إذا كانت الكلمة على حق أم لا.

أدب الحوار أهم من الحوار نفسه.