نشوان الأتاسي لبيروت اوبزرفر: العالم مع بقاء بشار الأسد.. والدم السوري رخيص

التقت بيروت اوبزرفر الباحث السوري نشوان الأتاسي واجرت حوار تم استعراض الأوضاع على الساحة السورية بعد الضربة الأميركية وتداعياتها هذا نصها الكامل:

  • كيف تقرأ توقيت الضربة الأميركية؟

أعتقد أن تلك الضربة حصلت لدوافع داخلية محضة ضمن كل بلد، سواء تلك التي قامت بتوجيه الضربة أم تلك التي تلقتها، والدليل على ذلك أنها لم تحدث إلا إثر قيام تنسيقٍ كافٍ ومطولٍ بشأنها بين الطرفين “اللدودين”، وأن الجميع خرج منها منتصراً ومسروراً، إلى درجة أن من تلقاها اعتبر نفسه المنتصر الأكبر، بدليل الاحتفالات الشوارعية (بكل ما للكلمة من معنى!) التي شهدتها المدن السورية الواقعة تحت سيطرة نظام الأسد.




لم يكن لهذه الضربة – كما لسابقاتها – أي محتوى ذو مغزى في مسار الأزمة السورية، وكما نلاحظ اليوم، بعد مرور فترة على حدوثها، كانت كأنها لم تكن.

ومن ناحية التوقيت فقد كان ضبطه على إيقاعات الأزمات التي تمر بها تلك الأطراف، كل ضمن أجوائه السياسية الداخلية.

  • ما مدى جدية الضربة الأميركية؟ وما هي أهدافها؟

لا يحتاج الأميركيون إلى استخدام القوة الخشنة (من نوعية هذه الضربة وسابقاتها) في الأزمة السورية فيما لو كانوا جديين فعلاً –  كما يطرحون إعلامياً – في إحداث تغيير ما على الأرض في سوريا.

لقد كنت دائماً أردد، ومنذ اندلاع الثورة في آذار 2011، بأن إزاحة الأسد عن الحكم لا يلزمها سوى اتصال هاتفي واحد من أحد مساعدي الرئيس في البيت الأبيض بقصر المهاجرين، بعد الحصول على موافقة تل أبيب بالطبع!

وكل ما عدا ذلك لا يعدو كونه نوعاً من البروباغندا والدجل الإعلامي للتغطية على المواقف الحقيقية غير المعلنة.

هم جاؤوا به وبوالده، وهم فقط من يمكنهم إزاحته بنفس اليسر والسلاسة التي أتوا بهما إلى سدة الحكم.

  • ما هو مصير سوريا في ظل ثلاث إحتلالات (إيران، روسيا، تركيا) وتدخل كل دول العالم في سوريا؟

إنني واثق من أنه لا يوجد سوري واحد، من أصل ثلاثة وعشرين مليوناً، قادر على معرفة ما سيجري غداً في سوريا، ولها وعليها، وهذا ينطبق على كافة فصائل المعارضة السياسية والعسكرية سواء بسواء، وأيضاً على ذلك القابع في قصر المهاجرين.

أسوأ ما يمكن أن تتعرض له البلاد، ويتعرض له السوريون، هو بقاء الوضع الراهن لزمن طويل قد يمتد لسنوات.

لا أظن أن تقسيم البلاد – أي إنهاء مندرجات سايكس/بيكو- وارد ضمن اعتبارات أصحاب القرار في واشنطن، كما أن إعادة توحيدها ليس مطلباً لأحد، أقله في الوقت الراهن.

  • لماذا لم يرحل بشار الأسد؟

لحدوث تغيير ما في بنية نظام أي بلد في عالم اليوم، لابد من توفر شرطين متلازمين هما: قيام حراك داخلي يهدف إلى التغيير، ووجود توافق دولي على حدوث ذلك التغيير؛

في سوريا قامت ثورة، وكانت في طورها السلمي، واحدة من أطهر وأنبل الثورات في التاريخ الإنساني، لكن لم يتوفر لهذا الحراك الشرط الآخر لحدوث التغيير، بل على العكس، كان هنالك توافق دولي تام على عدم حدوثه لاعتبارات عديدة لا مجال للخوض فيها في هذه العجالة.

في شهر حزيران/يونيو من عام 2011 كتبت مقالاً شبهت فيه ثورة السوريين بثورة سبارتاكوس، وتوقعت لها مصير ثورته، لكني استعدت مقولة لفريدريك أنجلز أكد فيها بأنه: لولا سبارتاكوس لما ظهر المسيح؛

الثورات فعل تاريخي واجتماعي وسياسي طويل المدى وعميق الأثر، قد لا تشهد الأجيال الحالية نتائجه الإيجابية، لكن القادم منها سينعم بقطافها.

  • هل العالم مع بقاء بشار الأسد؟ وهل الدم السوري رخيص؟

نعم للأسف، وهذا ينطبق على شقي السؤال.

  • هل تخلى العرب عن التزاماتهم إتجاه الشعب السوري؟ وكيف تعلق على تصريح محمد بن سلمان ولي العهد السعودي حول بقاء بشار الأسد؟

في عالم اليوم لا توجد سوى دولة واحدة مستقلة، بمعنى القدرة على اتخاذ القرارات التي تتوافق مع مصالحها وأهدافها دون أية اعتبارات ولا إملاءات خارجية، وهذه الدولة هي الولايات المتحدة الأميركية، وما عدا تلك الدولة فكل الدول الأخرى تخضع قراراتها لاعتبارات قد لا تكون متوافقة مع مصالحها كدول، إنما مع مصالح طبقاتها الحاكمة، وهذا الأمر يتخذ شكله الأوضح لدى الدول العربية، الخاضعة كلياً، كأنظمة، لإملاءات الولايات المتحدة؛ وكافة قراراتها وتوجهاتها السياسية تكون انعكاساً لتلك الإملاءات وتنفيذاً لها، وعلى هذا فهي غير قادرة على اتخاذ أي قرار، خاصة في قضية حساسة كالقضية السورية، دون تنسيق مع، وموافقة من، الإدارة الأميركية.

أضف إلى ذلك أن امتلاك حرية القرار يقتضي توفر إمكانيات تنفيذه، وأولها القدرة الذاتية على إدارة الصراع، لا الاعتماد على الآخرين في تأمين مستلزمات إدارته، من سلاح ودعم لوجستي وغيره…

  • ضرب الأسد كل الشعب السوري وإستثنى جبهة النصرة والقاعدة وكل الإسلاميين من ضرباته الرئيسية لا بل تشعر بأنه هناك نوع من الإنسجام بينهم هل إحساسي دقيق؟ وما هي خلفية هذه العلاقة؟

معظم الفصائل الإسلامية التي تشكلت بعد قيام الثورة قام بتأسيسها سجناء إسلاميون عادوا من العراق بعد الانسحاب الأميركي منه، وقد تم الإفراج عنهم من سجن صيدنايا بموجب مراسيم عفو رئاسية أصدرها بشار الأسد؛

على الجانب الآخر، وإثر حادثة الهروب الكبير من سجن أبو غريب في عراق المالكي، والتي شملت ما يقارب 1000 إلى 1500 سجين إسلامي من قيادات تنظيم القاعدة، تمكن تنظيم داعش من بسط سيطرته على مساحات واسعة من العراق وسوريا، خاصة بعد أن حصل على التمويل اللوجستي والمالي والعسكري اللازم جراء احتلاله المثير للجدل مدينة الموصل دون قتال!

لقد أدت هذه الفصائل الخدمة الأبرز للنظام، فهي من جهة لم توجه سلاحها إلى قواته إنما إلى الجيش الحر الذي كان لها فضل تحطيمه وإنهاء دوره في قتال جيش الأسد، ومن جهة ثانية مكنت نظام الأسد من تقديم نفسه إلى العالم كحليف في مواجهة الإرهاب، وهذا الأمر دعم حجة القائلين، وأولهم إسرائيل، بأن الأسد هو أهون الشرّين..

السيدة بثينة شعبان كانت أول من بادر إلى القول بأن النظام يواجه متطرفين إسلاميين وإرهابيين، وكان ذلك في نهاية شهر آذار عام 2011، أي قبل ظهور أي فصيل إسلامي على الساحة السورية بعامين.

  • أين أخطأت المعارضة السورية؟

في أنها قبلت التنطح للقيام بدور “المعارضة” وهي لم تكن مؤهلة له، لا ذاتياً ولا موضوعياً، وهذا الخطأ المبدئي استجر كل الأخطاء المميتة اللاحقة.

 

  • هل فشلت الثورة السورية؟

أظن أنني قد أجبت على هذا السؤال في معرض إجابتي على السؤال السابق “لماذا لم يرحل بشار الأسد”

  • ما هو الحل برأيك؟

من أصل 23 مليون سوري، هناك حوالي 14 مليون نازح ومهجر؛

ما لم يتم  خلق الظروف الإنسانية والأمنية الملائمة لعودة هؤلاء النازحين والمهجرين إلى مدنهم وقراهم فلا حل يرتجى، إذ كيف يمكننا الحديث عن حلٍ لأزمة شعب … لم يعد موجوداَ!

 

قضية الشعب السوري اليوم تتشابه إلى حد بعيد مع قضية الشعب الفلسطيني في أمرين، أولهما إقرار حق العودة مع وجوب اعتماد آليات محددة لتنفيذه، والثانية ضرورة قيام منظمة التحرير السورية وفق ذات الأسس والموجبات التي اعتمدت لدى قيام منظمة التحرير الفلسطينية.