حزب الله” يعتبر أنّ مفاعيل مرحلة ما بعد 2005 انتهت: قواعد لعبة سياسية- حكومية مختلفة

ابراهيم بيرم – النهار

لم يكن النائب السابق ايلي الفرزلي العائد للتو الى مقعده في المجلس بعد نيف واثني عشر عاماً، مبالِغاً أو شاطحاً، حينما قال في مضمون تصريحات ادلى بها فور فوزه: “الآن انتهت كل مفاعيل مرحلة ما بعد 14 شباط 2005”.




فهذه الخلاصة المجازية – المعبّرة سرت سريان النار في الهشيم في أوساط “حزب الله”، قيادات وقواعد، بعدما أيقنت ان الحزب حقق الحصيلة الانتخابية الباهرة التي افرزتها صناديق الاقتراع ليل الاحد الماضي للوائحه ومرشحيه والقوى والشخصيات الحليفة على امتداد الجغرافيا اللبنانية.

فلم يعد جديداً القول إن الحزب حصد من المقاعد ما كان يضعه منذ زمن هدفاً يسعى اليه، وتحديداً منذ ان أعلن نائب الامين العام للحزب الشيخ نعيم قاسم في الايام الاولى لانطلاق الحملة الانتخابية صراحة: “اننا نريد الحصول كحد ادنى على 42 مقعداً للقوى المحسوبة اصلاً على فريق 8 آذار”، اي “الحزب” وحركة “امل” و”تيار المردة” والحزب السوري القومي الاجتماعي وحزب البعث وتيار الامير طلال ارسلان و”جمعية المشاريع” وحزب الاتحاد و”التنظيم الشعبي الناصري” وسواها من القوى، أي كل الذين شاركوا في مهرجان 8 آذار 2005 في ساحة رياض الصلح. وصار جلياً ان لوائح “الحزب” والحركة وحلفائهما في الجنوب والبقاع وبعبدا وبيروت الثانية، حصلت على 31 مقعداً، يضاف اليها ثلاثة مقاعد نالها الحزب القومي السوري، وفاز رئيس حزب الاتحاد الوزير السابق عبد الرحيم مراد والنائب السابق جهاد الصمد والنائب طلال ارسلان والامين العام للتنظيم الناصري اسامة سعد، الى الوزير السابق ووريث الزعامة الكرامية في طرابلس فيصل كرامي. وفاز ايضا من “تيار المردة” ثلاثة نواب. كما فاز النائب السابق ايلي الفرزلي الذي وإن كان محتماً ان ينضم رسمياً الى تكتل “لبنان القو ” الاسم المحدث لتكتل “التيار الوطني الحر”، إلا انه محسوب ضمناً من عظام رقبة فريق 8 آذار الاصلي.

واذا ما أُضيف الى هذا اللفيف اسم المرشح الفائز لـ”جمعية المشاريع الخيرية” (الاحباش) عدنان طرابلسي، فان الحاصل النهائي لحسابات بيدر الشيخ قاسم قبيل الانتخابات يصير مطابقا تماما، لا بل زائدا واحدا عما افرزته صناديق الاقتراع.

إنه في القاموس السياسي والرقمي اللبناني “الثلث المعطل” لدى فريق، او “الثلث الضامن” عند مَن يريد في البرلمان الجديد، لكنه في قراءة دوائر القرار في “حزب الله” انجاز كبير يُعتدّ به وينطوي على ما هو أبعد من مسألة الرقم، اذ يتصل بالمؤدّى السياسي العام والصورة المستقبلية المحتملة للمشهد السياسي في الايام المقبلة، وهو:

– اعادة كل الرموز التي أُقصيت في دورتَي انتخاب 2005 و2009 الى مجلس النواب، وذلك تحت عناوين شتى، منها أنهم من رموز عهد الوصاية السورية، واستطراداً يتعين ان يخرجوا من تحت قبة البرلمان ليلحقوا بالاوصياء المغادرين.

حينذاك اضطر الحزب قسراً تحت وطأة اللحظة ان يتخلى عن هؤلاء وتركهم لوحدهم يواجهون الهجمة الضارية بعدما التحق هو بركب التحالف الرباعي الشهير، فأُسقِطوا من البرلمان الواحد تلو الآخر في جو احتفالي. لذا فان الحزب عندما ساهم في إعادتهم الى مقاعدهم بالجملة، انما يكون قد كفّر ولو متأخراً عن شعور بالذنب راوده لاحقاً، خصوصاً بعدما ارتد شركاؤه في التحالف (التقدمي و”المستقبل”) عليه وحاصروه بضراوة وأحرجوه ليخرجوه من حكومة الرئيس فؤاد السنيورة الاولى.

– النجاح في تعديل موازين القوى والمعادلات داخل المجلس نحو تكريس “اكثرية ضامنة” له، اي انه أمّن ظهره تماما وصار الى حد بعيد قابضاً بثقة على ناصية اللعبة والقرار، اي انه شكّل بذلك حصناً أول.

– اما الحصن الثاني المكين الذي يسعى الحزب الى تشييده فهو اعادة تجديد تفاهمه مع “التيار البرتقالي” وتلميعه ليصير لهما معا تكتلا نيابيا عريضا من اكثر من 72 نائبا، اي اكثرية مريحة جدا تعكس تماما المشهد الذي فرض نفسه بعد انتخابات عامي 2005 و2009.

– هذا التقدم للحزب يقابله تراجع جلي للخصم التقليدي كرّس كتلة نيابية سنية من خارج العباءة الحريرية، وهو ما يفرض على الحزب ارساء قواعد لعبة سياسية جديدة تتصل بفرض شروط جديدة في تأليف الحكومة وفي الحصص المكونة لها. ولا شك في ان هذا الواقع يعطي الحزب ورقة قوية للمناورة والتأثير وفرض شروط جديدة تختلف عما سبق.

واذا كان الحزب يرفض الى الآن الافصاح عن مرشحه لتأليف الحكومة المقبلة ويرفض اعطاء كلمة حول ما اذا سيكون في ركب القوى التي اختارت سلفا مبايعة الحريري لهذا المنصب ثانية، فان ثمة معلومات بدأت تغزو اوساطا معينة ضيقة فحواها ان الحزب بعث لمن يعنيهم الامر برسالة مفادها ان الانتخابات الاخيرة افرزت وقائع مختلفة تماما ستعكس نفسها في عملية تأليف الحكومة وشروطها. وعليه فهو وإن سار في ركب خيار الحريري رئيساً للحكومة فان له شروطا مختلفة مثل:

– تمثيل حلفائه من النواب السنّة الجدد، وهذا امر حتمي.

– ان يتولى شخص محسوب على الحزب وزارة حساسة سيادية او خدماتية ليكون ذلك منسجما مع تعهد سيد الحزب ابان الحملة الانتخابية بدخول الدولة العميقة للاشتراك فعليا في حملة مكافحة الفساد والتردي الاقتصادي والمالي. وعليه، فالحزب يعتبر ان ما فات فات وما هو آت آت، اي انه لن يكتفي بدور “كمالة العدد”، اي القبول بوزارة دولة او سواها، اي الدور الذي قبله منذ شارك للمرة الاولى في السلطة التنفيذية في حكومة الرئيس الراحل عمر كرامي عام 2004، وقد بدا ذلك جليا في دعوة السيد نصرالله الى التعجيل في تأليف الحكومة، إذ ان ذلك هو بمثابة رسالة لمن يعنيهم الامر، مفادهاان تأليف الحكومات من الآن فصاعداً يتعين ان يكون وفق توجهات مختلفة.