أخفقوا في إقناعه.. دبلوماسيون يقولون إن ترامب سيُلغي الاتفاق النووي مع إيران غير مُتأثِّرٍ بحلفائه

قال دبلوماسيون، إنه من المتوقع أن يعلن الرئيس الأميركي دونالد ترمب، اليوم الثلاثاء 8 مايو/أيار 2018، عن انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق النووي الإيراني، بعد إخفاقهم في إقناعه بأن التنصل من التزامات أميركا بالاتفاق قد يؤدي بالغرب إلى مواجهات جديدة مع طهران، حسب صحيفة صحيفة The New York Times الأميركية.

وإذا صحّ ما ذكره الدبلوماسيون، سيكون هذا الإعلان بمثابة أهم قرارات الأمن القومي التي اتَّخذها ترمب خلال فترة تولّيه المنصب، على مدار 15 شهراً، رغم إمكانية تضاؤل أهميته خلال الأسابيع القادمة، جرَّاء المفاوضات المباشرة مع زعيم كوريا الشمالية، حول الحدِّ من ترسانتها النووية.




وأبلغ أحد كبار الدبلوماسيين الغربيين المشاركين في محاولة إقناع ترمب بعدم الانسحاب من الاتفاق، الصحفيين، أمس الإثنين، أن فرصة إبقاء الرئيس على الاتفاق على ما هو عليه “ضئيلة للغاية”.

مقايضة جريئة تمّت

وفي جوهر اتفاق الحد من البرنامج النووي الإيراني، الذي تمَّ التوصل إليه، في يوليو/تموز 2015، بعد أكثر من عامين ونصف العام من المفاوضات، هناك مقايضة جريئة.

وقد تمثلت تلك المقايضة في إنهاء 3 عقود من العقوبات والعزلة التي تعاني منها طهران، والتي أدَّت إلى شلل الاقتصاد وإثارة الاستياء ضد رجال الدين، مقابل موافقة إيران على شحن نحو 97% من وقودها النووي إلى خارج البلاد، والتخلي عن إنتاج الوقود النووي، حتى وإن كان لأغراض سلمية.

وكانت المفاوضات مع إيران بمثابة دليل على ما حقَّقته السياسة الخارجية لإدارة أوباما، وقد اعتبرها ترمب خلال حملته الانتخابية عام 2016 بمثابة “كارثة”، أو “ضرباً من الجنون”.

 أفضل من أي بديل آخر

ومع ذلك، حاول مستشاروه على مدار أكثر من عام إقناعه بأن الاتفاق أفضل من أي بديل آخر، وأن الولايات المتحدة ليس لديها بديل آخر إذا ما شرعت في خرق الاتفاق. وتمت الإطاحة بهؤلاء المستشارين -ريكس تيلرسون والجنرال ماكماستر- خلال الشهور الأخيرة، وتعيين اثنين من أشد منتقدي الاتفاق الإيراني، وهما وزير الخارجية مايك بومبيو، ومستشار الأمن القومي جون بولتون.

وعلى مدار 28 شهراً منذ بدء سريان الاتفاق، ذكر المفتشون الدوليون أنهم لم يجدوا أي انتهاكات، ناهيك عن المخالفات البسيطة التي تم تعديلها على وجه السرعة.

وبمقتضى الاتفاق، يبدأ رفع العقوبات المفروضة على أبحاث وتطوير برنامج إيران النووي بعد 10 سنوات. وتتمكن إيران بعد 15 عاماً من إنتاج الوقود كما تشاء، رغم عدم السماح بإنتاجه لأغراض صنع السلاح.

وأصرَّ ترمب أن “فقرة انتهاء الاتفاق تلقائياً” ترجئ ببساطة الموعدَ الذي تمتلك خلاله إيران الأسلحة النووية. وقال إن الاتفاق قد أخفق في مواجهة قدرات إيران الصاروخية المتنامية، واتساع نطاق نفوذها في الشرق الأوسط، والتي يتم تمويلها من خلال الأموال المعادة إلى الإيرانيين، كجزء من الاتفاق، بالإضافة إلى الأموال الناتجة عن استئناف تجارة النفط.

وذكر كبير الدبلوماسيين الأوروبيين، الذي اشترط عدم ذكر اسمه عند لقائه بمجموعة من الصحفيين، أمس الإثنين، أنه من “الواضح للغاية” أن ترمب لم يتخلّ بعدُ عن العقوبات الأميركية ضد إيران، مثلما فعل منذ بدء فترة رئاسته لدعم الاتفاق.

وبدلاً من إرجاء القضية لعشر سنوات أخرى، يرى ترمب أنه يستطيع إجبار إيران على خوض مفاوضات جديدة.

وماذا عن موقف بريطانيا وفرنسا وألمانيا

وليس واضحاً ما إذا كان الرئيس يعمل على تهدئة 3 حلفاء رئيسيين (بريطانيا وفرنسا وألمانيا) من خلال السماح لهم بالاحتفاظ بعلاقات اقتصادية مع طهران، دون أن يُعرض أي من شركاتهم للعقوبات. ومع ذلك، ذكر مسؤولون أوروبيون أن ذلك لم يكن واضحاً.

كتب ترمب تغريدتين، أمس الإثنين، حول القرار القادم. وبّخت التغريدة الأولى وزير الخارجية السابق جون كيري، حول “مساعيه الدبلوماسية غير القانونية المحتملة بشأن الاتفاق الإيراني الذي تم التفاوض عليه بصورة سيئة للغاية”. وكان ذلك بمثابة إشارة واضحة لدعوة كيري لزعماء العالم للبحث عن سبل لإنقاذ الاتفاق، الذي كرّس الكثيرَ من وقته خلال فترة تولي حقيبة الخارجية في التفاوض عليه أثناء إدارة أوباما.

وبعد ساعات قليلة، كتب ترمب مرة أخرى على تويتر كي يصرح أنه سيعلن قراره في الساعة الثانية من مساء الثلاثاء بالبيت الأبيض.

ومع ذلك، يتولّى البيت الأبيض تدبير تفاصيل الإعلان، ويذكر دبلوماسيون أنهم يعكفون على تعديل الإعلان بما يتفق مع الواقع الجديد.

وذكر الدبلوماسي السابق آرون ديفيد ميلر، الذي يعمل حالياً بمركز ولسون الدولي للباحثين “لا يمكن إنقاذ الاتفاق. وأياً كان ما يقرره ترمب، فسيكون بداية النهاية للاتفاق، سواء كان بإنهائه كلياً أو تدريجياً”.

وعلى مدار الأسابيع الثلاثة الماضية، توجَّه كبار المسؤولين من فرنسا وبريطانيا وألمانيا إلى واشنطن، للتوجيه بأن الانسحاب من الاتفاق يعد خطأً دبلوماسياً. وكان وزير الخارجية البريطاني بوريس جونسون آخر من تحدَّث عن ذلك يوم الأحد، حيث كتب بصحيفة The New York Times أنه “مع وجود تلك الأصفاد، لا أرى أي ميزة محتملة في الانسحاب من الاتفاق”.

وفي منتصف يوم الإثنين، بدت زيارته بمثابة محاولة أخيرة. وذكر مسؤولون أنه علم أن القرار أصبح محتوماً.

الاتفاق الإيراني يحمل أخطاءً

وذكر الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، والمستشارة الألمانية أنجيلا ميركل أن الاتفاق الإيراني يحمل أخطاءً، ولكن يمكن البناء عليه. واقترح الحلفاء أن الغرب يستطيع فرض عقوبات جديدة ضد إيران، جراء تطوير الصواريخ الباليستية، وتقديم الدعم المسلح للنظام السوري وحزب الله وحركة حماس والجهاد الإسلامي في الأراضي الفلسطينية، مع الاحتفاظ بالاتفاق النووي.

وأبلغ ماكرون مجموعة من الصحفيين في واشنطن خلال زيارته الشهر الماضي: “أرى –دون أن أعرف ما سيُقرره رئيسكم– أنه سينسحب من هذا الاتفاق بمفرده لأسباب داخلية”.

ومع ذلك، فإنه من الصعب أن يستجيب الأوروبيون لمطالب ترمب، لأنه من الواضح أن إيران لن توافق على إعادة تعديل شروط الاتفاق ذاته. وإذا ما تم الاتفاق على إعادة تعديلها، فهناك سلسلة من المطالب الخاصة بإيران.

وفي حالة انسحاب ترمب من الاتفاق، تستطيع إيران أن تزعم أن واشنطن هي أول من انتهك ذلك الاتفاق، وهو فوز من ناحية الدعاية. وتصبح إيران حرة إذا ما اختارت استئناف إنتاج الوقود، بحسب ما أورده دبلوماسيون اشترطوا عدم ذكر أسمائهم، من أجل مناقشة المفاوضات الحساسة.

وكان شعار المفاوضين الأوروبيين الذين يسعون وراء الاحتفاظ بالاتفاق النووي “إصلاح الاتفاق لا إلغاؤه”. ومع ذلك، بحث ترمب المشكلة من منظور مختلف، حيث ذكر أن الحل الوحيد هو أن تكون الصفحة بيضاء.

أخبر ترمب زوّاره أنه يعتقد أنه بمجرد إلغاء الاتفاق الحالي، سوف تضطر إيران إلى الجلوس على مائدة المفاوضات، من أجل التفاوض على اتفاق جديد. وذكر وزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف، الذي أجرى مفاوضات الاتفاق المبدئي مع كيري على مدار عامين، أن طهران لن تشارك في مثل تلك المفاوضات، نظراً لأنها قضت سنوات في تلك المفاوضات من قبل.

ويتمثل القرار الذي يتعيَّن على ترمب الإعلان عنه الثلاثاء، فيما إذا كان يرغب في التخلي مرة أخرى عن العقوبات الأميركية المفروضة على إيران، والتمسك بالالتزامات الأميركية بموجب الاتفاق.

ومع ذلك، حتى لو أعاد ترمب فرض تلك العقوبات، يشير الأوروبيون إلى أن هناك بعض التأخير المنصوص عليه ضمن الاتفاقية، وهي فترة تسوية تبلغ نحو شهر، وتأخير يتراوح بين 120-180 يوماً، قبل فرض عقوبات أميركية من جديد.

وفي عالم سياسة حافة الهاوية التي ينتهجها ترمب، يمكن أن يسمح ذلك ببعض الوقت لإجراء المزيد من المفاوضات.

من الصعب توقع رد الفعل الإيراني

ومع ذلك، يمكن أن تصبح إيران على حافة الهاوية أيضاً، ويصبح من الصعب توقع رد الفعل الإيراني. ويطلب المتشددون بالفعل استئناف تخصيب اليورانيوم وإنتاج البلوتونيوم. ومع ذلك، فمن المحتمل أن تفضل إيران الالتزام بالاتفاق في الوقت الحالي، حتى تزيد من حدة الشقاق بين الولايات المتحدة وحلفائها الأوروبيين.

وذكر مسؤولون أوروبيون، أن ذلك لن يكون مستداماً. وبمرور الوقت، سوف تتزايد الضغوط داخل إيران بالانسحاب، حيث يعتقد الكثيرون أن تخفيف العقوبات لم يؤد إلى الانتعاش الاقتصادي الوطني الذي توقعه الشعب الإيراني.

واتَّسم زعماء إيران بالغموض تجاه الرد الإيراني المحتمل.

وذكر الرئيس الإيراني حسن روحاني، خلال كلمة ألقاها على الهواء مباشرة عبر تلفزيون الدولة خلال الأيام الماضية “إذا ما انسحبت أميركا من الاتفاق النووي، فسوف يستتبع ذلك ندم تاريخي”.

وقال روحاني “إذا استطعنا الحصول على ما نريده من الاتفاق بدون أميركا، فسوف تظل إيران ملتزمة بالاتفاق”.

ويشعر الأوروبيون بالقلق أيضاً خشية أن يؤدي الانسحاب من الاتفاق إلى تشجيع إسرائيل على التمادي في صراعها مع إيران في سوريا ولبنان. ويمكن أن يؤدي ذلك إلى نشوب حرب دامية أخرى، حيث تقترب القوات الإيرانية والميليشيات التي تعمل بالوكالة عنها من مرتفعات الجولان المحتلة، وتواصل طهران نقل الصواريخ إلى سوريا وجنوب لبنان.

ومن الغريب أنه بينما تزعّم رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو محاولات إقناع ترمب بالانسحاب من الاتفاق، إلا أن كبار مستشاريه العسكريين اعترضوا على ذلك. وقد ذكر قائد قوات الدفاع الإسرائيلي جادي أيزنكوت مراراً أن الاتفاقية “سارية”، وتؤخر جهود إيران لامتلاك سلاح نووي فيما بين 10-15 عاماً. واتفق مسؤولون عسكريون سابقون مع هذا الرأي إلى حدٍّ كبير.

ومع ذلك، أصرَّت قاعدة مؤيدي ترمب على أن الاتفاق قد تخلَّى عن المصالح الأميركية طويلة الأجل. ويبدو أن ترمب قد قرَّر بعد تردد أن يفي بوعوده الماضية.

وهناك 4 تصورات محتملة يمكن أن يسلكها ترمب، فيما يتعلق بمصير الاتفاق الذي يُعرف باسم خطة العمل الشاملة المشتركة

التصور الأول: ترمب يمدد تخفيف العقوبات

قد يقرر ترمب تخفيف العقوبات الأميركية على البنك المركزي الإيراني وصادرات إيران النفطية، مثلما يفعل كل 4 أشهر، مع مواصلة المحادثات مع ألمانيا وفرنسا وبريطانيا، بشأن اتفاق جانبي يعالج ما يصفها بأنها عيوب الاتفاق.

التصور الثاني: ترمب لا يمدد تخفيف العقوبات

قد يقرر ترمب ألا يخفف العقوبات الأميركية، وبذلك تدخل الإجراءات العقابية حيز التنفيذ، بعد 180 يوماً، على أن يترك للحلفاء الأوروبيين الذين يفضلون الإبقاء على الاتفاق اتخاذ قراراتهم. وبموجب هذا التصور سيتعيّن على إيران اتّخاذ القرار، بشأن ما إذا كانت ستُواصل الالتزام بقيود الاتفاق على برنامجها النووي.

التصور الثالث: ترمب لا يخفف العقوبات لكنه قد يعيد التفكير

قد يقرر ترمب ألا يخفف العقوبات، لكنه يعلن أنه قد يعيد تخفيفها قبل أن تدخل الإجراءات الجزائية على انتهاك العقوبات حيز التنفيذ، إذا توصَّل الحلفاء الأوروبيون إلى اتفاق جانبي مع الولايات المتحدة. ومرة أخرى سيتعين على إيران اتخاذ القرار بشأن مواصلة الالتزام بالاتفاق في تلك الأثناء.

التصور الرابع: ترمب لا يخفف العقوبات ويقول إن إيران تنتهك الاتفاق

قد يعلن ترمب أنه لن يخفف العقوبات، ويقول إن إيران تنتهك الاتفاق، مشيراً إلى الأدلة التي ساقتها إسرائيل.

وقد تستخدم الولايات المتحدة حينئذ آليةً لحل الخلافات، منصوصاً عليها في خطة العمل الشاملة المشتركة، سعياً إلى “عودة سريعة” لعقوبات الأمم المتحدة على إيران.